المتابعون

‏إظهار الرسائل ذات التسميات شهداء الحركة الماركسية-اللينينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شهداء الحركة الماركسية-اللينينية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 14 نوفمبر 2017

الشهيد عبد اللطيف زروال/ذكرى الشهيد البطل عبد اللطيف زروال، 43 والاب عبد القادر زروال وام الشهيد متشبتون بمعرفة قبره بيـــــــان

ذكرى الشهيد البطل عبد اللطيف زروال، 43 والاب عبد القادر زروال وام الشهيد متشبتون بمعرفة قبره
بيـــــــان
لجنة كل الحقيقة حول مصير الشهيد عبد اللطيف زروال
تحيي الذكرى 43 لاستشهاده وتطالب بتقديم المتورطين في جريمة اغتياله إلى العدالة
والكشف عن الحقيقة الكاملة في الملف
تحل يومه الثلاثاء 14 نونبر 2017 الذكرى الثالثة والأربعين لاغتيال الشهيد عبد اللطيف زروال، بعد اختطافه وتعذيبه من طرف جلادي الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وعلى رأسهم قدور اليوسفي.
ومن المعلوم أن عبد اللطيف زروال، المناضل التقدمي، والقيادي في منظمة إلى الأمام، الذي ضحى بحياته من أجل المبادئ التي آمن بها هو ورفاقه، دفاعا عن حق الشعب المغربي في تقرير مصيره السياسي والاقتصادي والثقافي، ومن أجل الكرامة الإنسانية لكل المواطنين والمواطنات، قد استشهد قبل ثلاث وأربعين عاما، بالطابق الخامس للمستشفى الجامعي ابن سينا بالرباط يوم 14 نونبر 1974.
ومنذ ذلك الحين، وفي إطار نضالها من أجل الحقيقة، وتشبثها بمطلب الحقيقة الكاملة وعدم إفلات المجرمين المتورطين في اختطاف الشهيد وتعذيبه وقتله ثم إخفاء جثمانه من العقاب، وعائلة الشهيد ـ وعلى رأسها المقاوم والمناضل الصامد الحاج عبد القادر زروال ـ تناضل بلا كلل من أجل حقها في الوصول إلى قبر ابنها وتسلم رفاته، رافضة كل أشكال الإغراءات والمساومات بالتعويض المادي لطي الملف.
وقد راسلت، من أجل ذلك، كل الجهات المسؤولة: النيابة العامة ورئاسة محكمة الاستئناف بالدار البيضاء ووزير العدل بتاريخ 27 يونيو 1975، والوزارة الأولى بتاريخ 24/08/2010، ووزارة الداخلية بتاريخ 30/08/2010، ووزارة العدل بتاريخ 26/08/2010، والمجلس الاستشاري/الوطني لحقوق الإنسان بتاريخ 6/12/2010.
كما وضعت عن طريق دفاعها، برئاسة الأستاذ النقيب عبد الرحمن بنعمرو والأستاذ النقيب عبد الرحيم الجامعي والأستاذ أحمد آيت بناصر والأستاذ محمد صدقو، شكاية لدى القضاء في مواجهة المجرمين المتورطين فيما لا يقل عن ثمان جرائم (الاختطاف، وتعذيب المختطف، واستعمال التعذيب في ارتكاب جناية، والتسبب العمدي في القتل، وعدم التبليغ بارتكاب جريمة، وإخفاء الجثة، والتزوير، واستعمال الوثائق المزورة)،وعلى رأسهم قدور اليوسفي وبوبكر الحسوني - الذين حضوا بالرعاية والحماية والإفلات التام من العقاب من طرف الدولة.
وبعد قرار محكمة الاستئناف برفض الشكاية، توجه دفاع العائلة إلى محكمة النقض التي نطقت لمرتين بالنقض الجزئي لقرار الرفض لمحكمة الاستئناف واعتبار جريمة إخفاء الجثة غير متقادمة، وإحالة الملف من جديد أمام أنظار محكمة الاستئناف بالرباط، التي لا زالت تتلكأ في فتح التحقيق مع المجرمين.
وفي هذه المناسبة، فإن لجنة كل الحقيقة حول مصير الشهيد عبد اللطيف زروال، تعبر عما يلي:
- اعتبارها قرار النقض الجزئي لمحكمة النقض للمرة الثانية، وقرار محكمة الاستئناف هما نتيجة للمعركة الطويلة التي خاضتها عائلة الشهيد ومعها الحركة الديمقراطية ضد إفلات المجرمين المتورطين في هذه الجريمة النكراء من العقاب؛ وتأكيدها أن القرارين لا يستجيبان إلى المطلب الحقوقي بخصوص الكشف عن الحقيقة كاملة في كل الجرائم التي ارتكبت في حق الشهيد ومتابعة المتورطين فيها تفعيلا لمبدإ عدم الإفلات من العقاب في الجرائم السياسية؛
- استنكارها لتقاعس القضاء في استدعاء المتورطين في جريمة اغتيال الشهيد، الذين وضعت العائلة شكايتها ضدهم؛ وهو ما يفضح عدم جدية الدولة في الاستجابة لمطالب الحركة الحقوقية وتفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة في موضوع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؛
- استمرارها في دعم نضال عائلة الشهيد عبد اللطيف زروال ومطالبها المشروعة في الكشف عن الحقيقة الكاملة في الملف والوصول إلى قبر الشهيد وتسلم رفاته ومحاكمة المجرمين المتورطين في هذه الجريمة السياسية؛
- مواصلتها النضال، إلى جانب عائلات الشهداء وكل شرفاء الوطن، لمتابعة المجرمين المتورطين في قضايا الاختطاف والتعذيب والاغتيال ومحاكمتهم على جرائمهم التي ارتكبوها في حق أبناء الشعب المغربي؛ كشرط أساسي لوضع حد للاعتقال التعسفي والتعذيب وضمان عدم التكرار؛
- ضمّ صوتها، إلى كل مكونات الحركة الحقوقية والديمقراطية وكافة القوى الحية ببلادنا، للمطالبة بوضع حد للاعتقال السياسي والإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين، وعلى رأسهم معتقلو الحراك الشعبي بالريف، والحركات الاحتجاجية بالمناطق الأخرى كزاكورة وبني ملال ... ومعتقلو الحركة الطلابية وحركة المعطلين ...
- تهيب بكافة القوى الديمقراطية والحية، السياسية والنقابية والجمعوية النسائية والشبيبية...، من أجل توحيد الجهود والتعبئة المتواصلة إلى حين كشف الحقيقة كاملة في الجرائم السياسية والمساهمة في حفظ الذاكرة ومساءلة مرتكبي هذه الجرائم؛ والنضال من أجل وضع حد لجرائم الاختطاف والتعذيب والاعتقال السياسي ببلادنا
الرباط في 14 نونبر 2017

وقفة ذكرى استشهاد عبد اللطيف زروال/عبد اللطيف زروال: “أموت فداك يا وطني”

عبد اللطيف زروال: “أموت فداك يا وطني”


بقلم عبد اللطيف زروال

      كتبت هذا المقال في نهاية 2015 بطلب من الفقيد عبد اللطيف حسني في إطار ملف حول الاغتيال السياسي في المغرب كانت ستنشره مجلة “وجهة نظر” التي كان يديرها. للأسف، كان المرض اللعين قد تمكن منه و لم يمهله حتى يخرج ذاك الملف إلى النور. ارتأيت نشر هذا المقال، بمناسبة حلول الذكرى 43 لاستشهاد المناضل عبد اللطيف زروال، كما هو دون تعديل. و هو في الحقيقة ثمرة مجهود جماعي في إطار “لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال” حيث كنا قد قررنا جمع شهادات حول الشهيد بغية نشرها في كتاب. لا زال المشروع قائما و سيخرج إلى النور في القريب العاجل. أود هنا التنويه بالدور الأساسي الذي لعبه و ما زال يلعبه الرفيق عبد الرحيم الخادلي في مشروع حفظ الذاكرة الذي بدأناه في إطار”لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال”. كما أهدي هذا المقال لروح الفقيد عبد اللطيف حسني الذي لولا إلحاحه لما كان سيخرج للوجود.

**************

 يوم 15 نونبر 1974، كان المعتقل السياسي عبد الرحمان نودا يرقد فوق سرير بالطابق الخامس بمستشفي ابن سينا بالرباط[1] حين أخبره أحد عناصر قوات التدخل السريع المكلفة بحراسته بأن أحد المعتقلين قد توفي بالأمس فوق نفس هذا السرير. مضيفا بأن هذا المعتقل كان “في وضعية متدهورة وحاول الحراس الدردشة معه من أجل تمضية الوقت، لكنه استسلم للنوم، وبعد أن حاولوا إيقاظه وجدوه ميتا”[2]. تقول بعض الروايات بأن آخر ما تفوه به هذا الأخير قبل وفاته هو عبارة “أموت فداك يا وطني”. لا يعلم أحد مدى صحة هذه الرواية. لكنها تؤكد بأن الأمر يتعلق بشخصية غير عادية. لم يكن هذا المعتقل الذي كان يبلغ من العمر 23 سنة وستة أشهر يوم وفاته أي يوم 14 نونبر 1974 سوى أحد أبرز قادة منظمة “إلى الإمام”: عبد اللطيف زروال.
من الاختطاف إلى الاستشهاد 
يوم 5 نونبر 1974، كان عبد اللطيف زروال عضو الكتابة الوطنية لمنظمة إلى الأمام على موعد مع أحد القياديين بمنظمة 23 مارس. كان رفيقه أبراهام سرفاتي قد اتفق معه قبل الموعد بنصف ساعة على العودة إليه في ساعة لاحقة وكان مكان اللقاء هو ملتقى شارعي الزيراوي والزرقطوني بالبيضاء. انتظره أبراهام لكنه لم يأت وهو المضبوط المواعيد. كان عبد اللطيف قد سقط في كمين نصبته له الشرطة السرية. فهو لم يكن يعلم بأن الشخص الذي سيلتقيه قد اعتقل واعترف بمكان وزمان الموعد. اقتيد زروال إلى المعتقل السري بدرب مولاي الشريف بالبيضاء. تعرض فيه لتعذيب همجي متواصل لمدة أسبوع. رفض عبد اللطيف الإدلاء بأي معلومات. كان الصمت سلاحه في مواجهة الجلاد قدور اليوسفي ومساعديه من أعضاء الفرقة الوطنية للشرطة القضائية. يروي “مصطفى خلال” أحد رفاقه في المنظمة: “أخذوني  إلى  كوميسارية  المعاريف  بالدار  البيضاء. وفتحوا  باب  إحدى  الزنازن  كي  أرى  عبد  اللطيف . مع  انفتاح  الزنزانة  رفع  عبد  اللطيف  رأسه  فزعا  فزع  أي  شخص  يفتح  عليه  باب مكان  ما  فجأة. بقي  البوليسي  واقفا  ينظر  إليه  دون  أن  يوجه  إليه  أية  كلمة. ربما كان يريد أن يمنح لي و لعبد اللطيف  بعض  الثواني  كي نركز  نظرنا  جيدا   في  بعضنا  البعض. رأيت  عبد  اللطيف  ممددا  على  الإسفلت العاري وبدون  أغطية  ولا  فراش. كان  ممددا  على  جنبه  الأيمن. رفع  رأسه  وقد  حاول  الاتكاء  على  كتفه  وهو  ينظر إلينا في  حين  كان  الوضع  الطبيعي  هو  أن  يتكىء  على  كوعه  كي  ينظر  إلينا  فيما  إذا  أراد أن  يبقى  ممددا  أو  أن  يتخذ  وضع  الجلوس  . كان  واضحا  أنه  كان  عاجزا  عن  أن  يتخذ  أي  وضع  من  هذين  الوضعين  الطبيعيين  نظرا  لما  تعرض  له  من  تعذيب مفرط.  بعد  انصرام  بعض  الوقت  كما  أسلفت،  وجه  إليه  الجلاد  السؤال  فيما  إذا  كان  يعرفني. حرك  عبد  اللطيف  رأسه  نافيا  معرفته  بي.  ثم  سألني  الجلاد  نفس  السؤال  وأنكرت. ثم  أغلقوا  الباب. […] كان  سكان  “الدرب”[3]  جميعا  على  علم  بالمستوى  الرهيب  للتعذيب  الذي  مورس  على  عبد  اللطيف  زروال .  كانوا  كلهم  يثيرون  صموده  البطولي  ورفضه  المطلق  عن  الإجابة  عن  أي سؤال  يطرح  عليه . ولم  أعد  أذكر  من  من  هؤلاء  قال  لي  أنه  رأى  زروال  يُحمل  في  غطاء  من  طرف  أربعة حراس  لحمله إلى حيث  يريده  الجلادون.”[4]  ولإجباره على الكلام، اختطفوا والده الذي اقتيد إلى نفس ذاك المعتقل السري حيث تم تهديده بالقتل والتعذيب أمام ابنه. لكن هذا الأخير أصر على الصمت ولم ينبس ببنت شفة. تدهورت حالته الصحية جراء التعذيب الوحشي فتم نقله إلى مستشفى ابن سينا يوم 12 نونبر 1974 تحت اسم مزور هو عبد اللطيف البارودي لتنتهي حياته القصيرة بعد يومين من دخوله المستشفى.
من برشيد إلى الرباط 
ولد عبد اللطيف زروال ببرشيد يوم 15 ماي 1951. تربى في كنف عائلة وطنية. فقد كان والده، الذي درس بجامعة ابن يوسف بمراكش، مسؤولا بحزب الاستقلال في منطقة أولاد الحريز. وكان قد اعتقل مع عدد من أفراد أسرته إثر أحداث فرحات حشاد سنة 1952 وأبعد بعدها للدار البيضاء بقرار من السلطات الاستعمارية. أمضى عبد اللطيف جزءا من طفولته بالمدينة القديمة بالبيضاء معقل المقاومة المسلحة التي كان والده على ارتباط بها. تابع دراسته الابتدائية ببرشيد والإعدادية بالدار البيضاء ثم الثانوية بمدارس محمد الخامس بالرباط. عرف عبد اللطيف باطلاعه الواسع و ولعه بالأدب. يقول كمال عبد اللطيف، أحد زملائه و أصدقائه في مرحلة الدراسة الثانوية و الجامعية: “كنا مولوعين بتحويل بعض الفقرات من الروايات التي كنا نقرأها إلى نصوص للحفظ ، لا أدري من أين جاءتنا الفكرة، ولكنني أذكر أننا كنا نستظهر بعض المقاطع من روايات اللص والكلاب، والشحاذ، وثرثرة فوق النيل..إلخ. كما كنا نقوم بقراءتها بصوت مسموع، وأحيانا نحفظ مقاطع منها تمتلك في تصورنا  إيحاءات قوية، وتستوعب نمطاً استثنائياً في الكتابة والبحث والتأمل. كان عبد اللطيف زروال مولعا بهذه المقاطع الساحرة، وكنا نقضي معا وقتا طويلا في حفظ قصائد من دواوين صلاح عبد الصبور: “أقول لكم “” أحلام الفارس القديم” وعبد الوهاب البياتي، إضافة إلى بعض دواوين نزار قباني.”[5] و قد نتج عن هذا الولع بالأدب عند عبد اللطيف إنتاج شعري غزير لم تنشر منه سوى قصيدة واحدة تحت عنوان “عن الحب و الموت” بالعدد الأول من السلسلة الجديدة من مجلة “أقلام” الصادر سنة 1972. يحكي لنا كمال عبد اللطيف عن قصتها: “كان عبد اللطيف قد لفت انتباه بعض أساتذته، فقد اكتشف  الأستاذ محمد إبراهيم بوعلو شاعريته وشغفه الكبير بالقراءة. وكان زروال سنة 1970 قد كتب قصيدة رائعة تضمنت كثيرا من العناصر التي كان يمكن أن تصنع منه شاعرا بمقاس كبير، لو لم يحصل ما حصل. […] فأخذ منه القصيدة ثم نشرها في أحد أعداد مجلة أقلام […] لكنها كانت القصيدة الوحيدة المنشورة له بتشجيع من الأستاذ إبراهيم بوعلو، وهي قصيدة تكشف بعض ملامح شاعريته، وتذكرني بقراءاته لكثير من دواوين الشعر في المدرسة الثانوية والجامعية. لقد كانت محصلة حساسيته الشعرية الحاصلة منذ منتصف الستينات.”[6] بعد حصوله على الباكلوريا سنة 1968، التحق عبد اللطيف بشعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. وانكب على التحصيل العلمي. فقد كان “حريصا على أداء واجباته الجامعية كاملة، يهيئ العروض ويقرأ محاورات أفلاطون، ويعتني بنصوص جون جاك روسو ومونتسكيو، كما كان يهتم بالفلسفة المادية التاريخية، وبالأفق الذي فتحته في تاريخ الفلسفة. ويحرص على القراءة في خزانة الكلية وفي المكتبة الوطنية، وكذا خزانات السفارات التي كانت أقسامها الثقافية ترخص باقتناء الكتب للطلبة.”[7] غير أنه لم يغفل قضايا الوطن التي تربى على الاهتمام بها في العائلة. انخرط عبد اللطيف بنشاط في النضال الطلابي. و تمرس “بالعمل النقابي في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الذي كان يشكل جامعة موازية، كما حصل لديه وعي بطبيعة الصراع السياسي في المغرب نهاية الستينيات، مع اقتراب متردد سنة 1969 من حزب التحرر والاشتراكية (الحزب الشيوعي المغربي سابقاً وحزب التقدم والاشتراكية اليوم).”[8] و كان ظهور الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين تعبيرا عن انبثاق تيار سياسي جديد هو اليسار الماركسي. و رغم أن عبد اللطيف  لم يكن “يتدخل في التجمعات العامة”[9]، إلا أنه كانت له أدوار قيادية داخل الجبهة كما يشهد بذلك رفيقه مصطفى التمسماني. وقد كان من المنشطين الرئيسيين لمجلتها الحائطية بل كان يساهم في كتابتها بخطه الجميل. انتقل عبد اللطيف بسرعة من النشاط الطلابي إلى النشاط السياسي فالتحق بمنظمة إلى الأمام مباشرة بعد تأسيسها في غشت 1970. وفي مطلع سنة 1971، أخبر صديقه كمال عبد اللطيف الذي كان يقيم معه في نفس الغرفة أنه “يترك الجامعة، ليتفرغ للعمل السياسي. مشيراً إلى أن العمل الذي ينتظره أكبر من الشهادة الجامعية.”[10] وقد أهلته ثقافته الفلسفية وإتقانه للغة العربية إضافة لمؤهلاته القيادية لأن يلعب، رغم صغر سنه، أدوارا طلائعية في مسار “إلى الأمام”.
“دينامو” إلى الأمام 
اختير عبد اللطيف زروال عضوا في الكتابة الوطنية لمنظمة “إلى الأمام” خلال ندوتها الوطنية الأولى التي انعقدت يومي 31 دجنبر 1971 و 1 يناير 1972. ولم يمر عن ذلك سوى بضعة أشهر حتى دفعته حملة الاعتقالات الواسعة التي مست الحركة الماركسية اللينينية المغربية للدخول إلى السرية. وقد حكم عليه لاحقا بالسجن المؤبد غيابيا في محاكمة المجموعة 44 سنة 1973. لعب عبد اللطيف، باعتراف رفاقه دورا هاما في النقاش الذي عرفته المنظمة حول الأخطاء التي سهلت اعتقالات ربيع سنة 1972 وحول الخطوط العامة لعمل المنظمة لتلافي مثل هذه الضربات والتقدم في اتجاه تحقيق أهدافها : بناء حزب البرولتياريا المغربية الذي سيقود بتحالف مع الفلاحين الفقراء ثورة شعبية ضد النظام الملكي بغية إقامة جمهورية المجالس الشعبية كمرحلة أولى نحو الاشتراكية. ساهم عبد اللطيف في صياغة أغلب الوثائق التي أصدرتها المنظمة في الفترة ما بين 1972 و1974. كان الطموح الذي يحذوه، وهو القادم من عائلة لها ارتباطات بالبادية، هو تبيئة الماركسية في التربة المغربية وبناء خط ثوري ملائم لأوضاع بلد مثل المغرب يستند إلى إرث ثقافي ونفسي وتنظيمي أصيل متراكم من صراع القبائل ضد نهب الدولة المخزنية والغزاة الأجانب لأرضها وثرواتها. كان الاقتراب أكثر ما يمكن من الواقع المغربي هما يسكن عبد اللطيف و يشغله في أدق تفاصيل حياته و يمكن لكل من يتعرف عليه عن قرب أن يلمسه.  يقول رفيقه مصطفى التمسماني: “منذ اللقاء الأول مع عبد اللطيف وفي إطار المخالطة معه تكتشف أنه ملتصق بالأرض دون أن يصرح بذلك […] فهو يتكلم لك عن القرية كثيرا. فالعالم القروي تعرفنا عليه بواسطة زروال  […] وعالم الجماهير الشعبية الحقيقية تعرفنا عليه كذلك بواسطته وكذلك نكته مرتبطة بهذا الإرث الثقافي الشعبي”[11].
ورغم قساوة حياة السرية، حافظ عبد اللطيف على تفاؤله الثوري وأمله في التحقق القريب لأحلامه بالتحرر والانعتاق. وكان يستمد إيمانه القوي بعدالة القضية التي يناضل من أجلها من حبه العميق لشعبه وتألمه للمعاناة التي يعيشها جراء اختيارات نظام فاسد قائم على القمع والنهب بحماية من القوى المتنفذة عالميا. لقد كان مستعدا لكل التضحيات اللازمة حتى تزول هذه المعاناة ويحيا الوطن حرا والشعب سعيدا. لذا كان يؤمن أن الإنسان قادر على الانتصار على آلة التعذيب مهما كانت همجيتها. و لقد كان نموذج المناضلين الفيتناميين (الذين كانوا يعمدون إلى قطع لسانهم، إذا ما اعتقلوا، من أجل ألا يبوحوا بأي شيء حول رفاقهم في  التنظيم) حاضرا في ذهن عبد اللطيف[12]. لقد جسد ذلك بصموده البطولي حتى الموت أمام التعذيب الوحشي الذي تعرض له.
وبالنسبة لشاب في مثل سنه، كانت حياة السرية تعني الحرمان من العديد من الأشياء المهمة كزيارة العائلة و بناء علاقة عاطفية. يقول رفيقه “مصطفى خلال ” الذي تعرف عليه في إطار العمل التنظيمي داخل إلى الأمام سنة 1973: “حدثته  عن  قصة  حب كنت  أعيشها  وكانت المحبوبة  رفيقة  لي  في  النضال  وكان  عبد  اللطيف  يعرفها إذ كانت  تلك  الفتاة  من  بين  الطالبات  القلائل  اللاتي  كن  ينتمين  لتنظيمنا. وسألته  بدوري  مرة  هل  يحب هو  الآخر  فتاة  ما.  صمت بضع  ثوان  وقال  لي:”هل  تعرف  فتاة  تقبل  بوضعي  كمناضل  يعيش  في  السرية ؟”[13] و لقد كان الحرمان من رؤية والديه يسبب له ألما و حزنا بالغين “إلى درجة  أنه  في  إحدى  أماسي  شهر  مارس  1973، لم  يستطع  على  هذا  الحرمان  صبرا. هكذا غامر الشهيد وخرق  التعليمات  النضالية وراح  إلى  مدينة  برشيد حيث  كان  بيت  العائلة  وما  أن  اقترب  من  البيت  حتى  ضغط  عليه  حدس  غريب  أن  يرجع  موحيا  له  أن  مغامرته  غير  مضمونة  العواقب. ورجع  أعقابه.”[14] يقول مصطفى خلال: “حكى  لي  هذه  الواقعة  في  ألم  ما  زلت  أذكره  إلى  اليوم. اغرورقت  عيناه  الكبيرتان  السوداوتين  بأهدابهما  الكثيفة  بالدمع. “[15] و في إحدى المرات ذات مساء بداية سنة 1974، كان يمر قرب حي عين الشق بالبيضاء في سيارة يقودها رفيقه أبراهام سرفاتي حين لمح أمه التي لم يرها منذ مدة طويلة. يقول أبراهام عن هذه اللحظة المؤثرة في رسالة غير منشورة وجهها لوالدي عبد اللطيف : “منعته ذلك المساء من الذهاب إليك لتقبيلك. لقد طلب مني أن أتوقف لكي يراك لحظات إضافية. لقد تأثر تأثرا بالغا و ظل متأثرا ذلك المساء كله.” يضيف أبراهام: “وذات يوم في شهر شتنبر 1974، حين بدأنا نحس بالطوق البوليسي يضيق علينا، في هذه الحياة حيث الطموحات الحميمية ممنوعة، قال لي كم يتمنى لو كان له طفل سيكلفك بتربيته كما ربيته هو نفسه.”    
لم يكن لهذه الخصال إلا أن تؤثر على رفاقه المحيطين به. يقول سرفاتي في مقال بعنوان “معلمي زروال” كتبه بمناسبة الذكرى الخامسة لاستشهاد عبد اللطيف : “رشيد[16] يا رفيقي، رشيد يا معلمي/ فضلك علي كبير ولكن كونك معلمي هي العلامة التي بقيت محفورة في داخلي بعمق أكبر. فرغم كل سنوات النضال، وأي نضال، بقيت بورجوازيا، ورغم صعوبات السرية الجمة جعلتني أكتشف […] أدق حركات السلوك البروليتاري، العناية التي كنت توليها لأبسط الأشياء في الحياة اليومية، الانضباط الذاتي أصبح طبيعيا، قيامك التلقائي بأبسط الأشياء الأعمال في الحياة الجماعية وفي كل هذا كنت تتصرف بظرافتك المعهودة، هذه الظرافة التي جعلت أحد الأقرباء الذي لم يعرف عنك الكثير سينعتك ب “العذب”.” كما اعتبر صديقه الحميم المشتري بلعباس أن جزءا من كيانه قد غاب باعتقال عبد اللطيف[17]. “فقد كان عبد اللطيف إنسانا مرحا ومن الصعب أن تجد له أعداء”[18]. وقد جعله صموده واستشهاده البطوليين يشغل مكانة خاصة في ذاكرة اليسار المغربي.
الشهيد الحي 
رغم مرور 41 سنة عن اغتيال عبد اللطيف زروال والادعاءات الزائفة للدولة حول الإنصاف والمصالحة وطي صفحة الماضي، لم تعرف قضيته طريقها إلى الحل العادل والمنصف. ففي البداية، أنكرت الدولة علمها باعتقاله قبل أن تعترف بوفاته لكن بأسباب “طبيعية” بعد “إلقاء القبض عليه” في محاولة لتزوير أسباب الوفاة.[19] كما دفن عبد اللطيف بمكان مجهول حتى اليوم. ولم يأت التقرير النهائي لهيأة الإنصاف والمصالحة بجديد في القضية. فقد اكتفى بالتوصية باستكمال البحث لتحديد المكان الذي دفنت به جثته. علما أن أحد أعضاء الهيأة سبق له أن زار العائلة لإخبارها بأن رفات عبد اللطيف يوجد بإحدى مقابر الرباط (حي الشبانات). لم تتم متابعة تنفيذ هذه التوصية من طرف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ثم من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان. ولتحريك الملف وكسر الجمود الذي تعرفه القضية وإيجاد حل منصف وعادل لها (أساسه الكشف عن الحقيقة حول ظروف اختطاف وتعذيب وقتل عبد اللطيف زروال ومحاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم البشعة وتسليم رفاته لعائلته)، أسس عدد من الفعاليات السياسية والحقوقية والإعلامية[20] سنة 2009 لجنة لمتابعة القضية ينسق عملها عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان الطيب مضماض. وقد عملت “لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال” على جمع شهادات حول الشهيد في إطار حفظ الذاكرة ومراسلة الجهات المسؤولة بخصوص الرفات و مساءلة المجرمين عن هذه الجريمة. كما عملت على تنظيم حملة لتعبئة الرأي العام وطنيا ودوليا وتوقيع عرائض. وفي سنة 2010 وبمبادرة منها، قدم فريق من المحامين ينسقه الأستاذ النقيب عبد الرحمان بن عمرو[21]، شكاية باسم العائلة لدى قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالرباط قصد فتح تحقيق مع الجلادين قدور اليوسفي وبوبكر الحسوني والمتعاونين معهم من أفراد الفرقة الوطنية للشرطة القضائية ومسؤولين في مستشفى ابن سينا. بعد مسلسل قضائي دام قرابة خمس سنوات تم فيه نقض قرار غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف مرتين من طرف محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا)، قررت الأولى (غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف) إلغاء قرار عدم فتح تحقيق بخصوص جريمة إخفاء الجثة على اعتبار أن الجرائم الأخرى الواردة في الشكاية[22] تقادمت حسب القانون الجنائي المغربي رغم أنها غير قابلة للتقادم في القانون الإنساني لأنها جرائم ضد الإنسانية. لهذا تصر العائلة على ضرورة محاكمة مرتكبيها ولو تطلب الأمر اللجوء إلى القضاء الدولي. رغم ذلك، يمثل هذا الحكم القضائي انتصارا صغيرا وجزئيا في المعركة الطويلة التي تخوضها عائلة الشهيد ومعها الحركة الديمقراطية المغربية منذ 41 سنة وهي التي تعلم علم اليقين أن الحل المنصف والعادل لملف اختطاف وتعذيب واغتيال عبد اللطيف زروال وغيره من شهداء هذا الوطن وملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان عموما رهين بتحقيق تقدم حقيقي ونوعي في نضال شعبنا من أجل الديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
قبل ثمان سنوات، اتصل بي أحد الصحافيين الشباب لأربط له الاتصال بوالدي عبد اللطيف زروال قصد كتابة مقال بإحدى الأسبوعيات الناطقة باللغة العربية. فسألته عن سبب اهتمامه بالموضوع وهو الشاب الذي لم أعرف عنه التزاما نضاليا. فأجابني بأن أحد زملائه بمعهد الصحافة ينحدر من مدينة برشيد. وقد حكى له عن الروايات الغريبة التي تروج عن عبد اللطيف زروال من قبيل أنه مثل أمام الحسن الثاني أثناء اعتقاله. فاستغربت لعدم علمي بهذه الرواية وأنا الذي قضيت سبع سنوات ببرشيد دون أن أسمع عنها. حينها أيقنت أن الشعوب لا تنسى رموزها. فمهما طال الزمان ومهما تعددت الانكسارات والهزائم فإن إرادة التحرر والانعتاق تتغذى من بطولات الماضي لتبني المستقبل.
لهذا فإن عبد اللطيف زروال الذي دفع ضريبة حبه للوطن موتا، باركت حبيبته تضحيته برفعه لمصاف الشهداء الأحياء الذين لا يموتون[23]. لقد صار :  
“فصلا خامسا
أكثر نشوة من الربيع
أكثر غنائية من الخريف
فصلا لا مجال فيه للحركة
فصلا
تترعرع فيه جذور الأفكار
وتزهر أيدي الرجال “[24].
تمارة في 2 نونبر 2015
[1]– الذي نقل إليه جراء تدهور حالته الصحية بسبب التعذيب والاعتقال في درب مولاي الشريف منذ شهر ماي 1974.
[2] – انظر شهادة عبد الرحمان نودا: “رقدت فوق نفس السرير الذي توفي فوقه عبد اللطيف زروال” المنشورة في أسبوعية “الحياة”، العدد 98، 25-31 مارس 2010 ص: 9  .
[3] – يقصد المعتقل السري “درب مولاي الشريف”.
[4]  – من شهادة غير منشورة ل”مصطفى خلال” ل”لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال“.
[5]–  شهادة “كمال عبد اللطيف” ل”لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال”.
[6]– نفس المصدر السابق.
[7] –  نفس المصدر السابق.
[8]  – نفس المصدر السابق.
[9]  – من شهادة غير منشورة لـ”مصطفى التمسماني” لـ”لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال.
[10]  – شهادة كمال عبد اللطيف.
[11]  – شهادة مصطفى التمسماني.
[12] – يحكي “مصطفى خلال” في شهادته عن عبد اللطيف: “قال لي مرة بأن المناضلين الفيتناميين، ومن أجل ألا يصرحوا برفاقهم في  التنظيم إذا ما  حدث أن اعتقل الواحد منهم كان يعمد إلى قطع لسانه”.
[13]  – نفس المصدر السابق.
[14]  – نفس المصدر السابق.
 [15]  – نفس المصدر السابق.
 [16]  – أثناء السرية، كان لعبد اللطيف عدد من الأسماء المستعارة من بينها محمود و رشيد.
[17]  – نظر شهادة المشتري بلعباس المنشورة في الصافي الناصري، لحسن العسبي، أقصى اليسار بالمغرب، مقارعة نبيلة للمستحيل، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2002.
[18]  – نفس المصدر السابق.
 [19]   – فيما قدمت النيابة العامة، في محاكمة سنة 1977، شهادة طبية مسلمة من مدير مستشفى ابن سينا تشير إلى موته بسبب “أوديما مبرحة في الرئة”، كانت الشرطة القضائية وعلى رأسها الجلاد اليوسفي قدور قد ادعت في بحثها التمهيدي “أن سبب وفاة عبد اللطيف عائد إلى ألم مبرح في المعدة اشتكى منه بمجرد ما ألقي عليه القبض”.
[20]  – يتعلق الأمر حسب البلاغ التأسيسي بكل من: عزيز لوديي، عبد الرحمان بنعمرو، عبد الإله بنعبد السلام، عبد اللطيف زروال، عبد الله الحريف، خالد الجامعي، محمد الصبار، عبد الرحيم الجامعي، زهور أزلاف، الطيب مضماض، علي أنوزلا، حسن حاج ناصر، العربي معنينو، سعيد السكتي. و قد التحق آخرون باللجنة فيما بعد. و يتعلق الأمر بأحمد ويحمان، حسن أحراث، عبد الرحيم الخادلي و الحسين بوسحابي.
 [21] – أحمد آيت بناصر و محمد صادقو  ضم فريق المحامين كذلك الأساتذة: عبد الرحيم الجامعي.
[22]  -يتعلق الأمر بالجرائم التالية: الاختطاف، تعذيب المخطوف، استعمال التعذيب في ارتكاب جناية، التسبب العمدي في القتل الذي يسبقه أو يصحبه أو يعقبه جناية أخرى، عدم التبليغ بارتكاب جناية، التزوير في وثائق رسمية، استعمال وثائق مزورة.
 [23] أ – لم ينه عبد اللطيف زروال قصيدته “عن الحب و الموت” بالقول:
 “ها أنذا أدفع الضريبة
فلتباركي موتي يا حبيبة”
[24] – مقطع من القصيدة التي كتبها الشاعر عبد اللطيف اللعبي رثاء لعبد اللطيف زروال و هي بعنوان “فارس العطاء”. نشرت في ديوان “أزهرت شجرة الحديد”.

           عبد اللطيف زروال عضو “لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال”


الجمعة، 25 أغسطس 2017

بيان لعائلة الشهيد الدريدي بمناسبة الذكرى 33 لاستشهاد المناضلين م. بوبكر الدريدي ومصطفى بلهواري

بيان لعائلة الشهيد الدريدي
بمناسبة الذكرى 33 لاستشهاد المناضلين م. بوبكر الدريدي ومصطفى بلهواري
في 27 غشت 1984 استشهد ابننا م. بوبكر الدريدي وفي اليوم الموالي 28 غشت 1984 استشهد رفيقه مصطفى بلهواري ضمن مجموعة مراكش للمعتقلين السياسيين الذين زج بهم في السجون إثر حملة الاعتقالات الواسعة التي أعقبت الانتفاضة الشعبية المجيدة ليناير 1984، التي انطلقت من مراكش وامتدت إلى عدة مناطق بالمغرب، خاصة مدن الشمال ومناطق الريف.
وإذ نحيي هذه الذكرى الأليمة والمفخرة في ذات الوقت، وصونا للذاكرة، لابد من استحضار الأجواء القمعية وحملات الانتقام التي باشرها النظام ضد الجماهير الشعبية المنتفضة وضد الحركات والتنظيمات المناضلة، من خلال المحاكمات الصورية وفرض حالة الاستثناء غير المعلنة، بغاية تجفيف مختلف منابع النضال سواء داخل الجامعة والمؤسسات التعليمية أو مختلف الفضاءات الثقافية والأحياء الشعبية؛ وهي الفضاءات التي كانت حاضنة لنضال الشهيدين ورفاقهما ضمن مختلف مكونات الحركة التقدمية.
لقد انطلق الشهيدين ورفاقهما في إضراب لا محدود عن الطعام بداية شهر يوليوز 1984، دفاعا عن حقوقهم وعن إنسانيتهم، وكذلك تحديا ووقوفا في وجه آلة النظام السجنية؛ وكان سقوطهما شهداء إفشال لمحاولات التطويع التي استهدفتهم ورفاقهم، وتحطيم لأسطورة جبروت النظام، وانتصار لعزيمة لا تلين أمام استبداد المخزن؛ وهو ما استمر على تأكيده من بعدهم، رفاقهم وكافة المعتقلين السياسيين التقدميين، من خلال مختلف ما خاضوه من معارك نضالية في أقسى الظروف السجنية، التي كانت محط تنديد واستنكار على المستويين الوطني والدولي.
وفي الأخير، ونحن نقف إجلال وإكبارا لروح الشهيدين، وعرفانا لتضحياتهم وعطاءاتهم، واسترشادا بدرس الصمود الكبير والتحدي المنقطع النظير الذي تركوه للأجيال المناضلة القادمة، لا يفوتنا في هذه الذكرى المجيدة، إلا أن نستحضر نضالات وتضحيات عائلات المعتقلين السياسيين والمختطفين والمنفيين والشهداء في الماضي كما في الحاضر، وفي مقدمتهم أمنا السعدية الدريدي أم الشهداء والمعتقلين، ونوجه لهم جميعهم بهذه المناسبة، وإلى القوى الحقوقية وعموم القوى السياسية والاجتماعية الديمقراطية المناضلة، نداء حارا بهدف توحيد الصفوف وتقويتها لمواجهة القمع السياسي، ولدعم المعتقلين السياسيين وتطوير النضال الوحدوي من أجل إطلاق سراحهم، ومن أجل الغايات النبيلة الكبرى التي استرخص الشهداء حياتهم من أجلها؛ وفي مقدمة ذلك تشييد مجتمع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة، وبناء نظام ديمقراطي ببلادنا.
عن عائلة الشهيد الدريدي
في 25 غشت 2017
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
Déclaration de la famille du martyr DOURAIDI
A l’occasion du 33ieme anniversaire des martyrs
My Boubker DOURAIDI et Mustapha BELHOUARI
°°°°°°°°°°°°°°°°°
Le 27 août 1984 et son lendemain 28 août 1984, nos fils My Boubker DOURAIDI et son camarade Mustapha BELHOUARI ont été martyrisés, respectivement, parmi le groupe de détenus politique de Marrakech, incarcérés suite aux arrestations massives qui ont suivi le glorieux soulèvement populaire de janvier 1984, déclenché à Marrakech puis étendu à plusieurs localités du Maroc, en particulier au nord et aux régions du Rif.
Nous commémorons annuellement cet anniversaire douloureux, avec grande fierté, pour sauvegarder notre mémoire collective. En effet, il nous paraît important de garder en mémoire le climat de répression et les compagnes de vengeances qui ont étaient menées par le régime contre les masses populaires révoltées et à l’encontre des mouvements et organisations militantes. Ceci s’est traduit par des procès formels et l’instauration, non déclarée, de l’état d’exception, afin d’exterminer toutes sortes de militantisme dans les universités, les institutions scolaires, les espaces culturels et dans tous les quartiers populaires qui étaient un incubateur de la lutte des martyrs et leurs camarades au sein du mouvement progressiste.
Et c’est en défense de leurs droits et leur dignité que nos martyrs et leurs camarades ont lancé une grève de la faim illimité le début de juillet 1984, défiant la machine pénitentiaire du régime. Leur martyr était une mise à l’échec des tentatives d’apprivoisement menées par le régime contre eux et leurs camarades, une destruction du mythe de la puissance du système et un triomphe de leur détermination inébranlable contre la tyrannie du makhzen. Et c’est ce qui a été continuellement confirmé, après eux, par leurs camarades et tous les détenus politiques progressistes à travers les divers batailles qu’ils ont entamé dans les plus dures conditions de détention.
En hommage à l’esprit des martyrs, en reconnaissance de leurs sacrifices, et guidé par la leçon de grande détermination exceptionnel qu’ils ont laissé aux générations futurs, il est important également de considérer avec gratitude les luttes et les sacrifices des familles des prisonniers politiques, des disparus, des exilés et des martyrs du passé comme du présent, et en premier lieu notre mère SAADIA DOURAIDI, mère courage, mère des martyrs et des détenus. Nous adressons, à cette occasion, un appel fort aux organisations des droits humains et aux forces politiques et sociales, démocrates et progressistes, afin d’unir les rangs et de développer la lutte unitaire afin de libérer tous les détenus politiques. Notre appel aux organisations porte également sur le renforcement de nos luttes face à la répression et pour les grands et nobles objectifs pour lesquels les martyrs ont offerts leurs vie; et en premier lieu la construction d’une société de liberté, de dignité, de justice sociale et d’égalité ainsi que l’instauration d’un système démocratique dans notre pays.
LA FAMILLE DOURAIDI
LE 25 AOUT 2017

الجمعة، 4 أغسطس 2017

خديجة المنبهي أخت الشهيدة سعيدة في دكرى استشهادها.طنجة

ذكرى استشهاد سعيدة المنبهي النهج الديمقراطي طنجة كلمة الحاضرين في حق الش...

ذكرى استشهاد سعيدة المنبهي النهج الديمقراطي طنجة كلمةاللجنة المحلية زهر...

ذكرى استشهاد سعيدة المنبهي النهج الديمقراطي طنجة الشعارات2/ 19-12-2015

أخت المناضلة سعيدة المنبهي تتهم مخرج "نصف السماء" بتزييف حقيقة موت أختها

ذكرى استشهاد سعيدة المنبهي النهج الديمقراطي طنجة كلمة أخت الشهيدة الاستا...

ذكرى استشهاد سعيدة المنبهي النهج الديمقراطي طنجة كلمة الحاضرين في حق الش...

ذكرى استشهاد سعيدة المنبهي النهج الديمقراطي طنجة كلمة للحاضرات في حق الش...

عائشة الشنا تحكي عن الشهيدة سعيدة المنبهي

معركة الشهيدين بلهواري والدريدي


معركة الشهيدين بلهواري والدريدي



    أ - الطور الأول من المعركة:
         بعد صدور الأحكام في حق المجموعة لم يبق أي عذر للتعايش مع الشروط المذلة التي سبقت الإشارة إليها. وتبعا لذلك نظمنا نقاشات متواصلة لبلورة الصيغة النضالية المناسبة لتحسين وضعيتنا داخل السجن ولإثارة واقع السجون بالبلاد الذي لا يختلف في جوهره وحتى الآن عن واقع الجماهير الشعبية المضطهدة. وأمام تباعد الرؤى السياسية واختلاف التقديرات والتقييمات للظرف السياسي الذي كانت تمر منه البلاد قرر عشرة معتقلين خوض إضراب لا محدود عن الطعام من أجل تحقيق ملف مطلبي شامل. والمعتقلون السياسيون المعنيون هم:
الشهيد مصطفى بلهواري
الشهيد بوبكر الدريدي
نور الدين جوهاري
كمال سقيتي
أحمد البوزياني
الحسين باري
حسن أحراث
الطاهر الدريدي
الحبيب لقدور
عبد الرحيم سايف.
         وفعلا، انطلقت معركة الشهيدين يوم الأربعاء 04 يوليوز 1984. وكان من الطبيعي ومن المنتظر أن يواجه الإضراب بالتجاهل والاستخفاف. ولم تتحمل إدارة السجن بمراكش حتى "عناء" أخذ الرسالة التي تضمنت قرار الإضراب ومطالب المضربين التي تجلى أهمها فيما يلي:
- الزيارة المباشرة لكافة أفراد العائلة وكذلك الأصدقاء.
- وسائل الإعلام والتثقيف: الجرائد، المجلات، الكتب، الراديو، التلفزيون.
- اجتياز الامتحانات (منع المعتقلون السياسيون في صيف 1984 من اجتياز امتحاناتهم على الصعيد الوطني).
- الإقامة في جناح ملائم وفي ظل شروط مقبولة: التغذية، الفسحة، النظافة، التطبيب...
         وتجدر الإشارة الى أنه وبعد حوالي أسبوع من انطلاق المعركة أعلن بعض المعتقلين من مجموعة مراكش عن خوض إضراب آخر عن الطعام وقدموا رسالتهم الى إدارة السجن لتلقى نفس مصير رسالة رفاق الشهيدين الدريدي وبلهواري.
         إلا أنه وبدل الاستجابة لمطالب المضربين تم انتظار فجر يوم الجمعة 20 يوليوز 1984 لتشتيت المجموعة بكاملها سواء المضربين أو غير المضربين على سجون مراكش والصويرة وآسفي. وكانت عملية التشتيت كالآتي:
- تنقيل المعتقلين المحكومين بسبع سنوات الى 15 سنة، الى السجن المدني بآسفي (22 معتقلا)
-  تنقيل المعتقلين المحكومين بثلاث سنوات الى خمس سنوات، الى السجن المدني الصويرة ( 16 معتقلا).
- إبقاء المعتقلين المحكومين بسنة واحدة بالسجن المدني بمراكش (خمس معتقلين).
         كان الاستقبال حارا بسجني الصويرة وآسفي. فقبل حتى أن تطأ أقدامنا أرضيتي السجنين المذكورين، انهالت علينا التهديدات والسب والشتم بغية تكسير حماسنا منذ الوهلة الأولى. فلم يطيقوا شعاراتنا ولا تحدينا الجريء للموت البطيء. لقد اختلفت أساليب التعذيب من مراكش الى آسفي ومن هذين الأخيرين الى الصويرة في الشكل فقط وبقيت واحدة في المضمون. ففي الصويرة تم تعذيب المعتقلين المضربين وتشويه حالتهم عن طريق الحلق العشوائي للشارب وشعر الرأس. وتم الزج بهم على هذه الحال في عنابر معتقلي الحق العام. أما بآسفي وبعد اصطدام عنيف مع الحراس وأمام بنادق رجال الدرك زج بالمضربين فرادى بالكاشوات بعد إشباعهم جلدا وتجريحا.
         ورغم كل هذا استمر الإضراب بآسفي كما بالصويرة ومراكش وتوحدت الخطوتان/الإضرابان رغم بعض التحفظات وبعض التجاوزات. وبدورها واجهت عائلاتنا بإصرار ناذر مشاق السفر لاقتفاء أثرنا من سجن لآخر وتصدت بشجاعة للمضايقات وقاومت الإشاعات المرعبة التي سعت بخبث الى الأخذ من صمودها والى زرع البلبلة في صفوفها. وواجهنا نحن الجوع والعطش والتعتيم وأصناف متعددة من الآلام والإجرام في عزلة تامة. ولم يتم تنقيلنا الى المستشفيات إلا بعد تدهور الحالة الصحية لكل المضربين حيث انطلق فصل جديد من الاحتراق تميز هو الآخر بالإهمال والتيئيس وافتعال كل ما يمكن أن يؤثر على صمودنا ومعنوياتنا. فمن التقييد بالأصفاد مع الأسرة وإغلاق النوافذ والحرمان من وسائل النظافة الى إجبارنا على القيء فوق الأرض والأسرة عندما عجزنا تماما عن الحركة. وكانت النتيجة المأساوية هي استشهاد المناضل بوبكر الدريدي بالصويرة في 27 غشت 1984 والمناضل مصطفى بلهواري في 28 غشت 1984 وهما في أسبوعهما الثامن من الإضراب عن الطعام، ثم سقوط عدد كبير من المضربين في غيبوبة عميقة. وبما أن الظرف السياسي كان استثنائيا حيث الحملة الانتخابية في أوجها (الانتخابات التشريعية لشتنبر 1984) تم العمل على تكسير الإضراب بأي شكل من الأشكال، خاصة بعد توسع التغطية الإعلامية للمعركة بالخارج وصدى الاستشهادات (استشهاد عبد الحكيم المسكيني في يوليوز 1984 بالسجن المدني ببني ملال وكذلك استشهاد الرفيقين بلهواري والدريدي) وعلى محاصرة كل ما من شأنه التشويش على طقوس الانتخابات. بعد ذلك تم تنقيل الحالات الخطيرة في صفوف المضربين من الصويرة وآسفي الى مستشفى بن زهر بمراكش مع استقدام أطباء ذوي كفاءات عالية من الدار البيضاء والرباط للإشراف على الوضعية الخطيرة التي بات يتردى فيها المضربون.
         أخيرا توقف الإضراب بعد 62 يوما من انطلاقه، وذلك بكل من مراكش وآسفي والصويرة بعد الوعود بتلبية مطالبنا والتي تلقيناها عن طريق الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في شخص رئيسها آنذاك. وبعد ما لم يعد في وسعنا بالنظر للتمزيق الذي استهدفنا والوضع الصحي الذي أصبحنا عليه التحكم في مسار المعركة.
         وبعد قضاء مدة طويلة بمستشفيات مراكش والصويرة وآسفي تخللها أكثر من إضراب إنذاري، من جهة لمعرفة مصير مطالبنا ومن جهة أخرى لانتزاع بعض المكاسب داخل المستشفى كالراديو الذي لم يتمتع به المضربون بآسفي قط بالإضافة الى الجرائد والكتب والمجلات، تم تنقيلنا الى سجون آسفي والصويرة ومراكش ما عدا بعض المعتقلين الذين كان وضعهم الصحي يستدعي البقاء بالمستشفى. أما مطالبنا فلم تلب بسجني آسفي ومراكش، وأكثر من ذلك أصبحنا أمام مطلب جديد انضاف الى مطالبنا الأخرى وهو مطلب الجمع بسجن واحد.

جريدة أنوال، 04 يوليوز 1985
رسالة تعزية:
وجهت منظمة الى الأمام المغربية رسالة تعزية الى عائلات ورفاق شهداء معركة الإضراب عن الطعام بسجون مراكش وآسفي والصويرة، هذا نصها:
الى كل زهرة نمت في أحضان الجماهير الكادحة، فداستها أقدام الهمجية...
الى كل شمعة اشتعلت فاحترقت لتضيء هذا الوطن...
الى كل الذين سقطوا في ريعان شبابهم في ميدان الشرف خدمة لقضية شعبهم...
الى كل هؤلاء الذين تحدوا القمع والحصار متشبثين بالطريق النضالي حتى الشهادة... والى كل مناضلي الشعب المخلصين وكل العائلات والأمهات نتقدم بالتحية والتعظيم.
إن عزاءنا وعزاءكم الوحيد، الذي يجعلنا نبتسم والدمع في الأجفان، هو هذا العهد الذي جمعنا وجمع كل أحرار المغرب مع شعبهم... عهد النضال ومواصلة طريق الشهداء ضد العدو الحقود المسؤول على مآسي الشعب المغربي بأجمعه وعلى فاجعته في فقدان أبناء له، من أوفى الأبناء.
فتحية لأبناء الزحف المقدس صناع الغد الجديد.
 والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار من الزرقطوني الى الدريدي...
وسيعلم طغاة اليوم أي منقلب سينقلبون...
ب - الطور الثاني من المعركة:

جريدة أنوال، 23 ماي 85

استمرت النقاشات التي كانت قد استؤنفت في صفوف المجموعة المضربة الموزعة على مستشفيات مراكش والصويرة وآسفي رغم صعوبة التواصل ورغم الشروط الصحية المتدهورة لجل أفرادها حتى بعد التنقيل الى السجون. ومن جديد برزت الخلافات حول ما يمكن أن نقدم عليه في ظل المعطيات الجديدة. مما أدى في آخر المطاف أي بعد ما وصل النقاش الى الباب المسدود الى مواصلة المعركة فقط من قبل المجموعة الأولى التي أضربت عن الطعام في 04 يوليوز 1984 واستشهد في صفوفها الشهيدان بلهواري والدريدي (رفاق الشهيدين) بالإضافة الى معتقل آخر التحق بالإضراب الأول في السجن المدني بالصويرة. علما أننا لم نسمح للمناضلين الحبيب لقدور وعبد الرحيم سايف بالدخول في الإضراب الثاني رغم إصرارهما على ذلك، نظرا لوضعهما الصحي المتردي والذي ما فتئ يزداد سوء نتيجة عزلتهما القاهرة المستمرة الى الآن، وهي نفس وضعية المعتقلين السياسيين السابقين عبد الكريم بيقاري وخالد نارداح. مما يستدعي وفي أسرع وقت الالتفات إليهم قبل فوات الأوان.
         خاض رفاق الشهيدين الموزعون على سجني آسفي والصويرة ومستشفى ابن زهر بمراكش إضرابات إنذارية عديدة كان أطولها الإضراب الذي دام من 25 أبريل الى 19 ماي 1985 (25 يوما) والذي تم توقيفه عشية حلول شهر رمضان كفرصة للمسؤولين لمراجعة وعودهم الكاذبة التي على إثرها أوقفنا الإضراب اللامحدود عن الطعام الأول. لكن، لا حياة لمن تنادي، حيث تم تنقيل ستة مضربين بعدما تم تجميع الكل بمستشفى ابن زهر بمراكش الى مستشفى الصوفي بالدار البيضاء لمدة أسبوع وليتم بعد ذلك إرجاعهم الى السجن المدني بمراكش في ظل نفس الوضعية غير المقبولة.

وأمام التعنت واللامبالاة اللذين قوبلت بهما الإضرابات الإنذارية بغية فرض الأمر الواقع، واقع الذل والمهانة خاض رفاق الشهيدين في 23 يونيو 1985 إضرابا لامحدودا عن الطعام باعتبار هذا الأخير سلاحا فعالا لإسماع صوت المعتقل وصيانة كرامته، مصرين على اختراق الصمت والحصار ورفض الذوبان كما حصل لبعض التجارب السابقة رغم التضحيات البطولية التي تم تقديمها (مجموعة تزنيت كمثال صارخ). وكالعادة ألقي بالمضربين داخل الكاشوات التي تحولت الى أفران حارقة بفعل حرارة صيف مراكش، بدون ماء ولا سكر لمدة أربعة أيام. وبعد ما يزيد عن 20 يوما داخل الكاشو نقلنا الى ما يسمى بالمصحة داخل السجن ومكثنا هناك في شروط كارثية الى غاية 03 غشت 1985، وهو تاريخ تنقيل جوهاري والدريدي وسقيتي الى مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء (موريزكو) وبالضبط الى قسم الإنعاش الجراحي (الجناح رقم 17). وفي 05 غشت 1985 ألحق باري والبوزياني وأحراث بنفس الجناح. وقد تمت محاولات عديدة بمراكش كما بالدار البيضاء عبارة عن إغراءات ومساومات كان الهدف منها هو كسر وحدة المجموعة المضربة وبالتالي ضرب المعركة خاصة إبان انعقاد القمة العربية بالدار البيضاء في غشت 1985 ومجيء البابا الى المغرب. لكنها محاولات باءت كلها بالفشل، وهو نفس ما حصل مع العائلات للتأثير على المضربين وحملهم على توقيف الإضراب.

         وأمام عدم ثقة المضربين بالوعود وبالمقابل تشبثهم الواعي والمسؤول بشروط توقيف الإضراب المتمثلة باختصار في فتح حوار مسؤول وجاد يتم في إطاره تحقيق كافة المطالب، وأمام عدم رضوخهم لأساليب الترهيب والترغيب اقتناعا منهم بخطورة ما سيشكله أي تراجع في رهان قوة أول من نوعه ببلادنا ليس فقط على المجموعة المضربة بل على كافة المعتقلين السياسيين تم اللجوء بشكل سافر وفظ مستغلين في هذه العملية القذرة عدد المضربين (06 فقط بعد توقيف الإضراب من طرف المضرب الملتحق من الصويرة) الى تخديرهم بواسطة خليط من المواد المخدرة نذكر من بينها: 
PHENERGAN, DOLOSAL,VALIUM, LARGACTIL…
و الى تقييدهم مع الأسرة (تقييد اليدين والرجلين) ثم تأكيلهم بالقوة بواسطة المسبار وآلات التأكيل الاصطناعي والتي تستعمل في الحالات العادية لتغذية المرضى في غيبوبة طويلة. وكان كل ذلك يمر تحت أنظار وبمساهمة عدد كبير من الأطباء ضدا على الضمير المهني وضدا على الأخلاق وضدا على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وخاصة ما تعلق بدور الطبيب أو طاقم التمريض في المشاركة في مثل العمل الإجرامي الذي تعرضنا له.
         استمرت هذه الوضعية الجهنمية مع بعض التغيرات الطفيفة التي كانت تصب كلها في اتجاه تركيع المضربين وتدميرهم واستمرت معها عذابات العائلات ومعاناتهم (التهديد بالاعتقال، الاعتقال فعليا، المضايقات...) وأدت ثمن تشبثها بأبنائها ومؤازرتهم من راحتها ومن وقتها ومن صحتها. ولا يفوتنا هنا أن نقف إجلالا و إكبارا لروح إحدى أمهاتنا الصامدات التي لم تكن تعرف للنوم أو للراحة طريقا أو طعما منذ اعتقال أول ابن لها والتي تجرعت مرارة استشهاد الثاني (بوبكر الدريدي). فقد قادت الى جانب أمهاتنا وأمهات كل المعتقلين السياسيين المعارك تلو الأخرى من أجلنا ومن أجل كل المغيبين قسرا الى أن ماتت واقفة بعد نزيف دموي في الدماغ في 17 مارس 1990.
         أما المسؤولون وأمام حدة التغطية الإعلامية للمعركة ودخول معتقلين سياسيين بكل من السجن المركزي بالقنيطرة (السرفاتي وبعض رفاقه) وسجن لعلو (بنعمرو وبعض رفاقه) في إضرابات عن الطعام لمؤازرتنا بالإضافة الى حملات التضامن الواسعة معنا من مختلف السجون المغربية أصدرت وزارة الداخلية في أكتوبر 1985 بلاغا أذيع على أمواج الإذاعة والتلفزيون يطمئن الرأي العام على وضعنا الصحي وتضمن مغالطات فجة قامت عائلاتنا بالرد عليها في حينها.
         إلا أن كل المحاولات التي دفعت نحو إيجاد حل مقبول لوضعيتنا أقبرت سواء محاولات من داخل البلاد أو من خارجها (منظمة العفو الدولية بالخصوص). واستمرت وضعية المضربين لما يفوق ست سنوات (من 23 يونيو 1985 الى 16 غشت 1991) مقيدين الى الأسرة بالأصفاد بدون زيارة وبدون كتب وبدون مجلات وبدون جرائد وبدون حتى الأقلام أو الأوراق وبدون وسائل النظافة، ما عدا عمليات موسمية كانت تمر تحت إشراف البوليس السري وتتكاثف أثناءها جهود عناصر الحراسة لنتف شعر المضربين وقلع أظافرهم ولصب بعض القطرات من الماء البارد في أغلب الأحيان على أجسادهم تحت يافطة النظافة.
         وفي يناير 1988 وبعد استكمال المضرب أحمد البوزياني المدة المحكوم عليه بها غادر المستشفى وهو في حالة إضراب عن الطعام وفي وضعية صحية يرثى لها. ونفس الشيء حصل بالنسبة للمضربين كمال سقيتي في يناير 1989 والحسين باري في أبريل 1989. وبقي المضربون الثلاثة الآخرون (أحراث والدريدي وجوهاري) يصارعون الموت والحصار والصمت الى أن قام المضرب الطاهر الدريدي بعملية فرار في شهر يوليوز 1989 واعتقل في نفس اليوم وأوقف الإضراب عن الطعام منذ ذلك الحين لينقل بعد مدة الى السجن المركزي بالقنيطرة.
         وبعد استشهاد المناضل عبد الحق شباضة في 19 غشت 1989 في الإضراب اللامحدود عن الطعام الذي خاضه بعض المعتقلين السياسيين بسجن لعلو بالرباط اشتدت مرة أخرى الحملة الإعلامية حول الإضرابين وحول واقع السجون بالمغرب. مما دفع بالوزارة الأولى الى إصدار بلاغ حول أوضاع المضربين بكل من الدار البيضاء (أحراث وجوهاري) والرباط (حسن العلمي البوطي وعبد الإله بن عبد السلام وعبد الفتاح بوقرو) أذيع بدوره على أمواج الإذاعة و التلفزيون.
         ورغم ذلك استمرت حملات التضامن بالداخل من طرف الهيئات الحقوقية بالخصوص وبالخارج من طرف منظمة العفو الدولية على رأس منظمات إنسانية وحقوقية أخرى. وسدت جميع الأبواب وأغلقت الآذان في وجه كل النداءات التي دعت الى تسوية وضعية المضربين. وهو المآل الذي لقيته توصية البرلمان الأوربي بهذا الشأن في 14 دجنبر 1989.
         وفي سنة 1990 اتخذت إجراءات عديدة على المستوى الرسمي لقيام منظمة العفو الدولية بزيارة المضربين أحراث وجوهاري. إلا أن المحاولة باءت بالفشل لما تشبث المضربان بإجراء حوار تحضره الهيئات الحقوقية المغربية.
         واستمرت المعركة حتى 16 غشت 1991 عندما أفرج عن أحراث وجوهاري إثر عفو ملكي صدر في 14 غشت 1991 وشمل في المجموع 40 معتقلا سياسيا من مختلف سجون البلاد، ومن بينها السجن المركزي بالقنيطرة.

اللائحة الكاملة لمجموعة مراكش 1984
مدة الحكم
المدينة أو المنطقة التي انحدر منها
الاسم  الكامل للمعتقل
خمسة عشر سنة
مراكش
حسن أحراث
01
خمسة عشر سنة
مراكش
محمد عباد (توفي)
02
خمسة عشر سنة 
سيدي رحال، قرب مراكش
عبد المجيد موفتاح
03
خمسة عشر سنة 
مراكش
محمد اليونسي
04
اثنا عشر سنة
هوارة، قرب أولاد تايمة
الحبيب القدور
05
اثنا عشر سنة
مراكش
عثمان حاجي
06
اثنا عشر سنة
بني ملال
سعيد كنيش
07
عشر سنوات
مراكش
مصطفى الحاميدي
08
عشر سنوات
مراكش
الشهيد مصطفى بلهواري
09
عشر سنوات
مراكش
الطاهر الدريدي
10
عشر سنوات
وادي زم
عبد الرحيم سايف
11
عشر سنوات
مراكش
عبد العزيز معيفي
12
عشر سنوات
مراكش
عبد الرزاق نكيير
13
عشر سنوات
مراكش
عبد الصمد الطعارجي
14
عشر سنوات
مراكش
عبد اللطيف العطروز
15
عشر سنوات
قلعة مكونة
الحسين العلواني
16
ثماني سنوات
وادي زم
نور الدين جوهاري
17
ثماني سنوات
مراكش
خالد نارداح
18
ثماني سنوات
مراكش
جمال بنيوب
19
ثماني سنوات
آسفي
عبد الله العمراني
20
ثماني سنوات
مراكش
عبد الكريم بيقاري
21
سبع سنوات
جمعة سحيم
محمد فخر الدين غاندي
22
ست سنوات
مراكش
محمد خشال
23
خمس سنوات
زاوية أيت اسحاق، قرب خنيفرة
الحسين باري
24
خمس سنوات
مراكش
الشهيد بوبكر الدريدي
25
خمس سنوات
القباب، قرب خنيفرة
عبد الرحمان عشاق
26
خمس سنوات
مراكش
عبد الإله المهمة
27
خمس سنوات
مراكش
كمال سقيتي
28
خمس سنوات
قلعة السراغنة
عبد الصمد سراج سني
29
خمس سنوات
قلعة السراغنة
عبد الرحيم علول (توفي)
30
أربع سنوات
مراكش
رشيد الإدريسي
31
أربع سنوات
مراكش
أحمد البوزياني
32
أربع سنوات
مراكش
يوسف بدوي
33
أربع سنوات
مراكش
احمد الكبناني
34
ثلاث سنوات
مراكش
عبد الله المخالفي
35
ثلاث سنوات
مراكش
محمد المصريوي
36
ثلاث سنوات
مراكش
أحمد المحضر
37
ثلاث سنوات
مراكش
محمد بلبرك
38
ثلاث سنوات
مراكش
رشيد مندبيس
39
سنة واحدة
فم الحصن
محمد السد
40
سنة واحدة
مراكش
إبراهيم الأنصاري
41
سنة واحدة
مراكش
عبد الرحمان الكرنصي
42
سنة واحدة
مراكش
صلاح أبو حمزة
43
سنة واحدة
زاوية الشيخ
عمر الصالحي
44