كيف كان نظام الحسن الثاني يعذب النساء
المتابعون
إظهار الرسائل ذات التسميات شهداء...شهيدات. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات شهداء...شهيدات. إظهار كافة الرسائل
الاثنين، 7 ديسمبر 2020
الجمعة، 31 أغسطس 2018
الثلاثاء، 21 أغسطس 2018
احمد المالكي الملقب بجحا
احمد المالكي الملقب بجحا
نظمت هيئة الإنصاف والمصالحة يوم السبت 29 يناير 2005 بمدينة فجيج ثالث جلسة استماع عمومية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب خلال الفترة ما بين 1956 و1999.
وقد تم خلال هذه الجلسة الاستماع الى عشر شهادات قدمها السادة محمد الزايدي ابن المرحوم ابراهيم الزايدي وخديجة المالكي ابنة المرحوم أحمد المالكي ومليكة الصنهاجي ابنة المرحوم محمد الصنهاجي ومحمد قادى وبوعزة بن شارى ومحمد عمارة ومحمد بودردارة وفاطمة سعد الدين وعبد الحق بن عبد الله وعبد الرحيم وزان نجل بلقاسم الوزان .
وعقدت الجلسة بمدرسة النهضة المحمدية وترأسها عضو الهيئة السيد ابراهيم بوطالب وحضرها بالاضافة الى اعضاء الهيئة السيدة لطيفة الجبابدي والسادة صلاح الوديع وادريس اليزمي ومحمد النشناش ممثلو الفعاليات المحلية وجمعيات الدفاع عن حقوق الانسان والمجتمع المدني ووسائل الإعلام الوطنية والدولية والسلطات العمومية.
الشاهدة خديجة المالكي
قدمت السيدة خديجة المالكي ابنة المرحوم احمد المالكي الملقب بجحا الذي كان لاجئا في الجزائر بسبب نشاطه في المعارضة ضمن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية اليوم السبت بفيجيج شهادتها عن معاناتها والتعذيب الذي تعرضت له هي وأسرتها خلال نهاية الخمسينات وعقد الستينات.
ولم تستطع السيدة المالكي أن تحبس دموعها خصوصا وهي تصف ما تعرضت له في مركز الشرطة بوجدة عقب احداث 1963 وسنها لم يكن يتجاوز آنذاك الخامسة عشر ربيعا حيث خلصت إلى القول " لقد قاموا باشياء يصعب علي البوح بها أمامكم".
وقبل ان تسرد معاناتها في " كوميسارية وجدة " توقفت السيدة المالكي عند ملابسات اعتقالها حيث اوضحت أن الأمر تم عقب توصلها باتصال من الجزائر حيث كان والدها لاجئا هو وآخرين يطلب منها أن تستقبل سيدة "تعرفها " في محطة القطار واصطحابها إلى احد الاشخاص الذي سيدخلها إلى الجزائر للالتحاق بزوجها وقد نفذت هذه المهمة غير أن السيدة طلبت منها ان تكتب لها رسالة تتضمن العبارة التالية "ان الامانة وصلت". واضافت " ولا ادري كيف وصلت الرسالة إلى يد الدائرة الرابعة للشرطة في الدارالبيضاء " حيث تم "اقتحام بيتنا ليلا من طرف عدد كبير من الرجال إلى درجة تحول معها المنزل إلى شبه معسكر وتحول الليل إلى نهار من فرط الاضواء التي احاطت به". وتقول " قاموا بتهديدي بالسلاح وجالوا بي كل جنبات البيت وهم يسألون عن " الامانة " دون ان يتوقف الضرب والشتائم. كانوا يسألون : "اين بونعيلات اين جحا (...)".
واضافت " ولم يشفع لأمي كونها حاملا فقد قاموا بتعذيبها وكيها بأعقاب السجائر وأخذوني إلى مركز الشرطة في سيارة بوجو بيضاء حيث وضع احدهم رأسي بين رجليه .." وبمركز الشرطة ( مقر الشرطة الرئيسي بوجدة ) - تضيف السيدة المالكي - وهي تبكي "ضربوني بقضيب حديدي.. مزقوا ثيابي .. كانوا يعصرون خرقة (شيفون) متسخة على وجهي .. ثم تبولوا علي ". وتوقفت عن الحديث لفترة قصيرة قبل ان تضيف " قاموا باشياء اخرى يصعب علي البوح بها امامكم .. ثم قيدوني إلى كرسي وانا انزف دما ...ووضعوني في زنزانة ". وبعد أن أفرجوا عني " لكي يصطادوا بي بقية الاخوان ... جاءني في احد الايام متسول وقدم لي ورقة مكتوب عليها انه يتعين علي أنا وافراد اسرتي ان نتوجه إلى حمام بوجدة وان ندخل من الباب الامامي ونغادر من الباب الخلفي وهناك وجدنا من اخذنا إلى أحفير وفي الفجر عبرنا وادي كيس ودخلنا التراب الجزائري". وبقيت الأسرة في الجزائر - تضيف السيد المالكي - " حيث لاعائلة ولا وطن ..
الوطن الذي دافعنا من اجل استقلاله " إلى غاية سنة1975 واندلاع قضية الصحراء المغربية " حيث طلبت منا السلطات الجزائرية إما ان نعترف بالصحراء الغربية أو أن نغادر ". وأكدت السيدة المالكي " طبعا رفضنا ذلك فنحن دافعنا عن الصحراء فكيف نفرط فيها .. فأخذنا الفقيه البصري إلى ليبيا (كان ذلك سنة 1979 ) " حيث تزوجت السيدة المالكي "احد المناضلين" وانجبت منه خمسة اطفال قبل ان تعود إلى ارض الوطن عقب العفو الملكي الصادر سنة1995 .
ولم تتوقف معاناة السيدة خديجة بعد الرجوع إلى ارض الوطن حيث تقول " أطفالي مشردون الآن ولم يساعدني أحد، وليس عندي مسكن، وعلى أية حال، نحمد الله على هذه الفرصة التي اتيحت لنا لنحكي عما اصابنا واصاب ابناءنا".
وكانت السيدة المالكي قد بدأت شهادتها بالاشارة إلى معاناة اسرتها ابان فترة الاستعمار حيث كان والدها احمد المالكي ضمن أسرة جيش التحرير إلى جانب مقاومين ءاخرين كسعيد بونعيلات وأحمد المساعدي وعبد الله الصنهاجي وسعيد ولد الحاج مضيفة ان امها " كانت تخبئ السلاح وسط الصوف وتحمله إلى مكان بعيد كلما علمت بان هناك تفتيش لمنزلنا ".
واضافت " لقد عشنا كاليتامى لكننا لم نتأثر، وما اثر فينا فعلا هو التعذيب خلال فترة الاستقلال " مشيرة إلى أن والدها اختطف خلال احداث1957 بالشمال لمدة ستة اشهر و"خلال المحاكمة وجدنا أبانا في مرحاض .. أخي الصغير لم يحتمل منظره ففر وهو يقول هذا ليس أبي " . وفي سنة 1959 "عدنا لنعيش لنفس التعذيب ثم اتهمونا باننا رحلنا عبد الفتاح سباطة وعبد السلام الجبلي ..." وبعدها " طلب منا الاخوان الابتعاد والتوجه من الناظور إلى وجدة حيث تابعت دراستي ونلت شهادة الدروس الابتدائية ".
غير أنه - تضيف السيدة المالكي - حرمت حتى من فرحة النجاح فقد " اتهمونا سنة 1963 بالقيام بمحاولة انقلاب وادخال السلاح ".
الشاهدة مليكة الصنهاجي
أكدت الآنسة مليكة الصنهاجي إبنة المرحوم محمد الصنهاجي أن وفاة والدها جراء التعذيب في مركز الدرك الملكي بفجيج بعد يومين من اعتقاله بمقر عمله عقب أحداث مارس 1973 خلفت " جروحا لم تندمل لحد الساعة ".
وأشارت الآنسة مليكة الصنهاجي الى أنها "أجبرت على الابتعاد عن والدها وعمرها لا يتجاوز5 سنوات" مضيفة أن "أمها ترملت وعمرها لم يتجاوز24 سنة و في كنفها ثلاثة أطفال صغار ورابع في أحشائها بدون معيل فوافتها المنية بعد أربع سنوات من ذلك وهي تصارع المرض والظروف الاجتماعية البئيسة دون أن تعرف حقيقة اعتقال ووفاة زوجها".
وقالت إن وفاة والدها سببت "معاناة مادية ومعاناة نفسية ومعنوية" لها ولعائلتها جراء "الخوف" مشيرة إلى أن سنة 1973 أصبحت "سنة مشؤومة" بالنسبة للعائلة.
وأضافت أنه "من حسن الحظ أو من سوئه" فإن "شخصا كان رهن الاعتقال التعسفي في القضية نفسها يسمى عيسى أحمد رأى محمد الصنهاجي وهو يحتضر ليتم دفنه بعد ذلك دون إشعار العائلة" موضحة أن "الدرك الملكي اكتفى بإخبارنا بعد يومين من دفنه بأنه مات ميتة طبيعية". وأوضحت أنه كان من الصعب عليها أن تختزل حجم المعاناة التي كابدتها هي وعائلتها في هذه الشهادة مؤكدة أن الهدف " ليس هو الانتقام أو المحاسبة ولكن محاولة تخطي الماضي الذي من الصعب نسيانه". وتطرقت الآنسة الصنهاجي إلى الوضع الاجتماعي الصعب الذي تعيش فيه أسرتها حاليا.
********* تعليق
الرباط : «الشرق الأوسط»
بدأت مساء أول من أمس في مدينة فجيج (جنوب شرق المغرب) جلسة الاستماع العمومية الثالثة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت في المغرب خلال الفترة بين عامي 1956 و1999 . وكانت الجلستان السابقتان قد نظمتا بالرباط يومي 21 و22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي على أن تليهما جلستان مماثلتان تعقدان في مدينتي الراشيدية وخنيفرة. وتنظم هذه الجلسات هيئة الإنصاف والمصالحة. وترأس جلسة «فجيج» ابراهيم بوطالب، عضو هيئة الإنصاف والمصالحة. وتم خلالها الاستماع إلى عشر شهادات قدمها محمد زايدي، نجل المرحوم إبراهيم زايدي، وخديجة المالكي، نجلة المرحوم أحمد المالكي، ومليكة الصنهاجي، نجلة المرحوم محمد الصنهاجي، ومحمد قادة، وبوعزة بنشري، ومحمد عمارة، ومحمد بودردارة، وفاطمة سعد الدين، وعبد الحق بنعبد الله، وعبد الرحيم وزان، نجل بلقاسم وزان. وقال عبد الرحيم وزان إن المطلب الرئيسي لأسرته يتمثل في التعرف على مصير والده بلقاسم وزان ميتا كان أو حيا. وأكد أن معاناة أسرته «لا يمكن أن يعوضها مال».
وأوضح أن والده المفقود، الذي ولد بفجيج سنة 1924، كان من أفراد أسرة المقاومة قبل أن ينخرط مباشرة بعد الاستقلال في صفوف القوات المساعدة، حيث كان همه الوحيد هو الدفاع عن وطنه.
وأضاف أنه تم في يوم 17 أبريل (نيسان) 1973 اعتقال والده من مقر عمله على الحدود الجزائرية بتهمة إيواء أشخاص يخططون للتآمر ضد النظام، مشيرا إلى أنه لن يظهر لبلقاسم وزان أي أثر بعد ذلك إلا بعد أن بعث برسالة من مقر السجن المركزي بالقنيطرة. وأبرز عبد الرحيم أن القضاء أصدر يوم 30 أغسطس (آب) 1973 حكما بالبراءة لفائدة والده لكن «أيادي الغدر لم يرق لها الحكم واستعملت آلتها ليتم اختطافه من داخل السجن المركزي بالقنيطرة». وقال الابن إن أسرة وزان تحركت مباشرة بعد اختطافه، ووجهت مراسلات عديدة إلى المسؤولين تطلب فيها معرفة مصير بلقاسم، مؤكدا أنه بالرغم من الضغوطات والتهديدات ظلت الأسرة تبحث عن الأب المختطف وذلك بفضل إصرار الأم وحرصها على عدم نسيان ما وقع. وبعد أن أشار إلى أن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان كان قد ذكر سنة 1998 اسم بلقاسم وزان في عداد المتوفين، شدد عبد الرحيم على أنه «ما دامت أسرة بلقاسم وزان لم تتوصل بأي إثبات عن وفاته، فإن جريمة الاختفاء القسري ستظل قائمة». ومن جهته، أكد محمد عمارة، أحد ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان بمنطقة فجيج، الذين اعتقلوا في أحداث سنة 1973، أنه زج به في السجن لأسباب يجهلها ولأحداث لا علاقة له بها. وأوضح عمارة، 59 سنة، في شهادته أنه تعرض منذ اليوم الأول لاعتقاله في 22 يوليو (تموز) 1974 برفقة شخص آخر يدعى بوعلام مهني، «لكافة أشكال التعذيب النفسي والجسدي» قبل أن ينقل إلى مدينة بوعرفة ومنها إلى مدينة وجدة. وأضاف أنه نقل إثر ذلك إلى الدار البيضاء ليجد نفسه في معتقل درب مولاي الشريف الذي تعرف عليه بحكم كونه اشتغل بالمدينة في فترة سابقة، موضحا أنه ظل رهن الاعتقال من27 يوليو 1974 إلى17 أغسطس 1978، حيث عانى «كافة أشكال التعذيب والإهانة» مما تسبب له في أمراض تطلبت إجراء عملية جراحية في إحدى رجليه قبل أن يصاب بالشلل. وقدمت خديجة المالكي، ابنة المرحوم أحمد المالكي، الملقب بـ«جحا»، الذي كان لاجئا في الجزائر بسبب نشاطه في المعارضة ضمن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي خرج من معطفه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (مشارك في الحكومة)، شهادتها عن معاناتها والتعذيب الذي تعرضت له هي وأسرتها خلال نهاية الخمسينات وعقد الستينات. ولم تستطع خديجؤ المالكي أن تحبس دموعها أثناء وصفها لما تعرضت له في مركز الشرطة بوجدة عقب أحداث عام 1963، ولم يكن سنها آنذاك يتجاوز الخامسة عشرة، حيث خلصت إلى القول «لقد قاموا بأشياء يصعب علي البوح بها أمامكم». وقبل أن تسرد معاناتها في «مفوضية شرطة وجدة»، توقفت خديجة المالكي عند ملابسات اعتقالها، وأوضحت أن الأمر تم عقب تلقيها اتصالا من الجزائر حيث كان والدها لاجئا هو ومعه آخرون، يطلب فيه منها أن تستقبل سيدة «تعرفها» في محطة القطار، واصطحابها إلى أحد الأشخاص الذي سيدخلها إلى الجزائر للالتحاق بزوجها. ونفذت هذه المهمة غير أن السيدة طلبت منها أن تكتب لها رسالة تتضمن العبارة التالية «ان الأمانة وصلت». وأضافت: «لا أدري كيف وصلت الرسالة إلى يد الدائرة الرابعة للشرطة في الدار البيضاء، حيث تم اقتحام بيتنا ليلا من طرف عدد كبير من الرجال إلى درجة تحول معها المنزل إلى شبه معسكر وتحول الليل إلى نهار من فرط الأضواء التي أحاطت به». وقالت: «هددوني بالسلاح وجالوا بي كل جنبات البيت وهم يسألون عن الأمانة»، من دون أن يتوقف الضرب والشتائم. كانوا يسألون: «أين بونعيلات.. أين جحا؟». وأضافت «لم يشفع لأمي كونها حاملا فقاموا بتعذيبها وكيها بأعقاب السجائر، وأخذوني إلى مركز الشرطة في سيارة «بيجو» بيضاء حيث وضع أحدهم رأسي بين رجليه» وبمركز الشرطة (مقر الشرطة الرئيسي بوجدة)، تضيف المالكي، وهي تبكي «ضربوني بقضيب حديدي، ومزقوا ثيابي، كانوا يعصرون خرقة متسخة على وجهي، ثم تبولوا علي». وتوقفت عن الحديث لفترة قصيرة قبل أن تضيف: «قاموا بأشياء أخرى يصعب علي البوح بها أمامكم، ثم قيدوني إلى كرسي وأنا أنزف دما، ووضعوني في زنزانة». وقالت: «بعد أن أفرجوا عني لكي يصطادوا بي بقية الاخوان، جاءني في أحد الأيام متسول وقدم لي ورقة مكتوب عليها انه يتعين علي أنا وأفراد أسرتي أن نتوجه إلى حمام بوجدة، وأن ندخل من الباب الأمامي ونغادر من الباب الخلفي، وهناك وجدنا من أخذنا إلى بلدة أحفير، وفي الفجر عبرنا وادي كيس ودخلنا التراب الجزائري». وبقيت الأسرة في الجزائر، تضيف خديجة المالكي، حيث لا عائلة ولا وطن.. الوطن الذي دافعنا من أجل استقلاله، إلى غاية سنة 1975، واندلاع قضية الصحراء المغربية، حيث طلبت منا السلطات الجزائرية إما أن نعترف بالصحراء الغربية أو نغادر». وأكدت المالكي «طبعا رفضنا ذلك، فنحن دافعنا عن الصحراء فكيف نفرط فيها، فأخذنا الفقيه البصري إلى ليبيا؟»، (كان ذلك سنة 1979) حيث تزوجت خديجة المالكي «أحد المناضلين» وأنجبت منه خمسة أطفال قبل أن تعود إلى أرض الوطن عقب العفو الملكي الصادر سنة 1995 . وفي السياق ذاته، قال بوعزة بنشري، أحد ضحايا انتهاكات الماضي، إن السلطات أقدمت على إغلاق مطبعته قاطعة بذلك مصدر رزقه الوحيد، ومتسببة في تشتت عائلته ليصبح في عداد المشردين، بدون مأوى ولا مال لمجرد أنه رفض مطلبا للسلطات باخضاع الكتب التي تتولى شركته طبعها للرقابة. وأوضح بنشري في شهادته، أن معاناته بدأت عندما اعتقل سنة 1961 بعد مشاركته في تظاهرة بالشارع العام، حيث فصل عن عمله ككاتب خاص لرئيس (حاكم) دائرة فجيج، وهو الأمر الذي يتعارض في نظر السلطات «مع مشاركتي في هذه التظاهرة بالرغم من انني انخرطت فيها بصفتي الشخصية وليس الوظيفية». لكن السلطات، يضيف بنشري، رأت في ذلك أمرا غير مألوف، على اعتبار «أنني مكلف بعمل يتطلب السرية، بل الأكثر من ذلك اتهموني بالوقوف وراء تنظيم التظاهرة واعتبروني عنصرا محرضا وخطيرا داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية خاصة أنهم لاحظوا أنني كنت أواظب على قراءة جريدة «التحرير»، وهذه كلها تهم برروا بها اعتقالي بمعية آخرين لمدة شهر بالسجن المدني بوجدة بدون أية محاكمة». وأكد أنه في سنة 1963 اعتقل بمعية عبد الرحيم بوعبيد وقياديين آخرين بعد مداهمة مقر الحزب من قبل الشرطة، التي قال إنها لم تميز بين قيادة الحزب وموظف بأمانته، مشيرا إلى أنه تعرض لمدة شهر بمركز الشرطة (المفوضية المركزية بالدار البيضاء) لمختلف صنوف التعذيب. وأضاف أنه بعد خروجه من السجن فقد عمله بسبب وجود قيادة الحزب رهن الاعتقال، مما دفعه إلى الالتحاق للعمل بمطبعة دار النشر المغربية حيث اكتسب خبرة في العمل المطبعي أهلته ليقيم مشروعا لحسابه الخاص مدفوعا، على حد تعبيره، بهاجس تطوير العمل المطبعي بالمغرب، وبالتالي «خدمة الحقل الثقافي الذي ازدهر بالإنتاجات المتنوعة التي كنا نطبعها في«شركة بنشري للطباعة والنشر» لمؤلفين وكتاب مرموقين يساريين ويمينيين فضلا عن عدد من المجلات المعروفة مثل «الثقافة الجديدة» و«الزمن المغربي» و«الفرقان» وغيرها. ومن جهتها، أكدت مليكة الصنهاجي، ابنة المرحوم محمد الصنهاجي، أن وفاة والدها جراء التعذيب في مركز الدرك الملكي بفجيج بعد يومين من اعتقاله بمقر عمله عقب أحداث مارس (آذار) 1973، «خلفت جروحا لم تندمل لحد الساعة». وأشارت في شهادتها إلى أنها أجبرت على الابتعاد عن والدها وعمرها لا يتجاوز5 سنوات، مضيفة أن أمها ترملت وعمرها لم يتجاوز24 سنة وفي كنفها ثلاثة أطفال صغار ورابع في أحشائها بدون معيل، فوافتها المنية بعد أربع سنوات من ذلك وهي تصارع المرض والظروف الاجتماعية البائسة من دون أن تعرف حقيقة اعتقال ووفاة زوجها. و أبرز محمد زايدي حجم المعاناة والانتهاكات التي تعرضت لها أسرته بسبب اختطاف وتعذيب والده إبراهيم زايدي، مؤكدا أن غايته من تقديم شهادته هي «التذكير بحقائق الماضي حتى يكون الإنصاف فعليا ويحقق ما يرجى منه من اطمئنان ورضا». واستحضر محمد زايدي في شهادته المعاناة التي تكبدتها أسرته وخاصة بعد أن توفي والده في السجن واضاف أن تلك المعاناة «طالت بلدة فجيج أيضا وخصوصا قصر زراقة لشهور عدة، مشبها ذلك بـ«الأحكام العرفية». وقال إن انتهاكات حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية آنذلك كان من تبعاتها فقدان الممتلكات ومصادر العيش. ومن جانبه، قال محمد بودردارة إن «شهادتي في جلسة الاستماع شهادة على ذاكرة جماعية للجرح المغربي، فعندما يتعرض الفرد الواحد لعملية القمع أو محنة الاعتقال، يكون المجتمع برمته قد مس في كرامته وحريته». وتحدث بودردارة، وهو من مواليد 1948، الذي اعتقل في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 عن تجربته المريرة عبر المعتقلات السرية متوقفا بالأساس عند «وحشية التعذيب» في معتقل الكوربيس قبل أن يحال على المحاكمة ليتوج مساره السجني بالبراءة في أغسطس 1976. وقال إنه مع كل الذين قاسموه المحنة كانوا يتأرجحون بين هاجسي الموت أو الجنون من شدة ألوان التعذيب الجسدي والنفسي وظروف الاعتقال المأساوية في الكوربيس الذي «تحول من مستودع لإصلاح الطائرت إلى مركز لإلحاق الأعطاب بالبشر». إلى ذلك، قال عبد الحق بنعبد الله، إنه تعرض للتعذيب خلال اعتقاله في شهر يناير (كانون الثاني) من سنة 1984 على خلفية الأحداث التي شهدتها عدة مدن مغربية ومنها بركان، مما أدى إلى الحكم عليه بأربع سنوات سجنا. فبعد الحديث عن اعتقال سابق تعرض له في شهر سبتمبر (أيلول) 1982، إثر احتجاجات داخل الثانوية التي كان يدرس بها، والتي انتهت بالحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة أشهر نافذة حولت في المرحلة الاستئنافية إلى موقوفة التنفيذ، تطرق بنعبد الله إلى الاعتقال الذي تعرض له في يناير 1984، وكشف عن أنواع من التعذيب، التي قال إنه تعرض لها لمدة 19 يوما قبل إحالته على المحكمة. وببساطة المرأة التي عاشت تحت جناح زوجها إلى أن تعرض للاختطاف، تحدثت فاطمة سعد الدين عن معاناتها وأسرتها والانتهاكات الحقوقية التي تعرضت لها بعد سنة 1973، مشيرة إلى أن هذه المعاناة طالت حتى الصغير الذي كان لا يزال يرقد حينها في أحشائها فلم يخرج إلى الدنيا إلا ميتا. وأبرزت فاطمة، التي ولدت سنة 1944 بفجيج، أن زوجها خرج ذات يوم سنة 1973 إلى العمل، ولم يعد. وعوضا عنه جاءت قوات من الأمن التي رابطت أمام المنزل ليل نهار، لتبدأ فصول معاناة بلغت أوجها خلال الشهرين الأولين، حين تعرض المنزل الذي يأوي العائلة إلى حصار متواصل. وقدم محمد قادة بدوره شهادته عن ظروف اعتقاله ومعاناته والتعذيب الذي تعرض له في بداية السبعينات والثمانينات، وقال إنه تعرض للاعتقال بسبب عمله النقابي المحض داخل الاتحاد المغربي للشغل (اتحاد عمالي). وأوضح أن معاناته مع الشرطة بدأت عام 1972 عندما هاجمت فرقة تضم 20 عنصرا من الدرك والشرطة مقر النقابة ببركان (شرق المغرب) حيث كان يعقد اجتماعا نقابيا محليا وصادرت الوثائق النقابية. وأضاف أنه في27 مارس 1973 اعتقل من طرف شرطة بركان من دون أن يعرف السبب لينقل بعد ذلك عبر مراكز الشرطة بوجدة والدار البيضاء حيث مورست عليه «كل صنوف التعذيب التي يتعذر ذكرها». وأضاف أنه بعد 50 يوما من الاعتقال أطلق سراحه ليلا من دون إحالته على القضاء. عن جريدة : الشرق الاوسط |
الخميس، 26 يوليو 2018
محمد السافيني .. شذرات من سيرة بطل استُشهد من أجل فلسطين
المناضل محمد السافيني بطل مغربي آخر قدم حياته فداء لفلسطين.
ما زال مصيره مجهولا حتى الآن ومنذ 44 سنة.
الشهيد الحي محمد السافيني كان عضوا بالتنظيم السري لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي أسسه القائد الراحل محمد الفقيه البصري. وهو التنظيم الذي ساهم أعضاؤه بفعالية كبيرة في إسناد الجهد الشعبي الفلسطيني المقاوم، في نفس الوقت الذي قام أعضاؤه بمواجهة النزوع السلطوي للنظام المغربي في العقود الأربع الأولى لمرحلة ما بعد الاستقلال.
شكرا للصديق محمد لومة الأستاذ والباحث على نبشه في هذا التاريخ المنسي لأبطال شرفوا المغرب.
***********
محمد لومة*
الخميس 26 يوليوز 2018 - 07:00
تَحُل الذكرى الرابعة والأربعون لاختفاء محمد السافيني، الشاب الأمازيغي - العُروبي ورفيقي في التنظيم السري المسلح للاتحاد الوطني للقوات الشعبية -على عهد سنوات الجمر والرصاص- ابن جماعة الساحل بإقليم تزنيت، والذي أَوفَده قائدنا محمد الفقيه البصري في أكتوبر 1974 من دمشق حيث كان يدرس إلى الرباط، لتنفيذ مهمة تاريخية كبرى.
كان مهندسها الفعلي هو المناضل صلاح خلف – أبو إياد – وكانت تتمحور حول ممارسة أقصى الضغوط السياسية والدبلوماسية والنفسية على الملك الأردني حسين عشية انعقاد القمة العربية بالرباط، لإجباره على الإقرار الرسمي العربي المطلوب لاعتبار منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، ورفع وصاية نظامه الهاشمي عن القدس والضفة الغربية إلى غير رجعة، والتي لم تكن إلا وبالاً على شعب فلسطين منذ البداية.
ونظرا لأهمية الخطة، فقد كلف أبو إياد صديقه – اللدّاوي فخري العمري أبو محمد – ونائبه بنفس الوقت في جهاز الأمن الموحد وفي فصيل – أيلول الأسود – بترؤس فريق من 14 عنصرا، ضمنهم ثلاث فتيات تونسيات من باب التمويه؛ كما يتذكر الصديق الصحافي خالد الجامعي.
وفي مذكراته التي تحمل عنوان "فلسطيني بلا هوية"، تحدث أبو إياد طويلا عن الإطار العام لهذه العملية؛ ولكنه أحجم عن ذكر التفاصيل، بما في ذلك اسم رفيقنا السافيني.
وبالفعل، انعقدت قمة الرباط لذلك العام في جو أمني خانق، ومليء بشائعات اعتزام اغتيال حسين الأردن، بنفس طريقة اغتيال رئيس حكومته في القاهرة وصفي التل.. وجدّه عبد الله الأول بالقدس في يوليوز 1951.. لذات الأسباب والدواعي!!؟
ثم خرجت القمة بالقرار التاريخي المطلوب، فلم يمض سوى أسبوعين اثنين، حتى كان الرئيس ياسر عرفات يُستقبل استقبال الأبطال بمقر الأمم المتحدة يوم 13 نونبر 1974.. ليلقي خطابه التاريخي الشهير أمام التصفيق الحاد والمتواصل لممثلي حوالي مائة وأربعين دولة في العالم.. تلاها إعطاء منظمة التحرير الفلسطينية صفة العضو المراقب، والتأكيد على حرية الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.
نعم.. لقد استرجع أبو إياد الفريق المكلف بالاغتيال عن طريق مصر.. هذا الفريق الذي لم يكن مزودا بما يلزم من أسلحة وذخائر حربية، حيث بقيت في مخازنها في إسبانيا.. كما قرر القائد أبو إياد إمعانا في التضليل والمناورة لدفع الحسن الثاني إلى إقناع صديقه حسين الهاشمي بالتنازل الطوعي قبيل حدوث ما لا تحمد عقباه لاحقا.
وسيخصص الملك الحسن الثاني في الرباط ضيافة باذخة لأبي إياد وزوجته وأطفاله الستة ولثلاثة من كوماندو الرباط المفرج عنهم، بعد انتزاع الاعتراف الدولي الشهير، احتفالا بعيد ميلاد صلاح خلف المصادف ليوم 31/08/1975.
فماذا ننتظر للكشف عن رفيقنا محمد السافيني.. المختفي الوحيد في هذه العملية منذ حوالي 44 عاما؟؟
ولقد لبى داعي ربه بعد ذلك كل من أبي إياد والفقيه البصري وهما على خصام شديد، بسبب التضحية برفيقنا السافيني بهذا الشكل؛ ذلك أن الفقيه ساورته شكوك قوية في البداية من أن يكون أبو إياد هو من أخبر الحسن الثاني شخصيا بالمخطط.
لقد تسلمت منظمة التحرير الفلسطينية 14 عضوا من تنظيم صلاح خلف (أبو إياد) من المغرب عبر مصر، حيث كان مقررا أن ينفذوا عملية ضد الملك حسين في الرباط في حال رفضه رفع وصايته عن القضية الفلسطينية،
أقول عاد الفريق المكلف سالما وبقي مصير رفيقنا محمد السافيني مجهولا حتى اليوم، علما بأن لجنة الإنصاف والمصالحة اعتبرته رسميا في عداد مجهولي المصير.
والمؤلم هو أن لا أحد يتكلم عنه، بعد كل هذا الغياب الطويل منذ أكتوبر 1974. وهي القضية التي أنجزت عنها كتابا خاصا يتضمن تفاصيل غير معروفة في حوالي مائتي صفحة، سيصدر عما قريب.
الرحمة والمغفرة لكل شهداء فلسطين، وإنها لثورة حتى النصر.
*باحث ومؤرخ
**********
مساهمة الأستاذ محمد لومة في أشغال ندوة: دور المغاربيين في دعم نضالات فلسطين (الرباط 9-10/7/2018)
آنساتي سيداتي سادتي
أيها الضيوف الكرام
يتزامن قيام المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير مشكورة بتنظيم هذه الندوة الهامة مع ظرف تاريخي على جانب كبير من الدقة والحساسية في ضوء ما تطالعنا به الأحداث في هذه الأيام، بتسارع مذهل، عما أصبح يدعى بصفقة القرن، وذلك تحت ضغوط دولية هائلة، ومشاركة عدد من دول منطقتنا العربية، والتي تتراوح مواقفها من صفقة القرن المخزية هذه – لبالغ الأسى والأسف- ما بين الاستحسان العلني والمستفز ومابين التأييد الخجول والمحتشم، في أفق التحضير لوضع خارطة (سايكس بيكو) جديدة لمجموع دول المنطقة، تستهدف في الحقيقة والواقع اقبار القضية الفلسطينية الى الأبد، من خلال مصادرة كل مقررات الشرعية الدولية التي انتزعناها خلال 7 عقود بدماء عشرات آلاف الشهداء… بما يوفر أمام دويلة إسرائيل كل ما تريده وتطمح اليه لإحكام سيطرتها على مقدراتنا ومصائرنا الى الأبد، برعاية غير مسبوقة من كامل أطراف المعسكر الامبريالي والرأسمالي العالمي.
أيتها الأخوات ايها الإخوة… لقد كانت منطقة المشرق العربي منذ قرون سحيقة ولا تزال بالنسبة لنا، نحن المغاربيين بمثابة القبلة، أو المنارة الهادية والمرشدة، أو البوصلة التي ينعكس في صفحتها بكل صفاء عمقنا العربي، الإسلامي، كلما ادلهمت الآفاق، وتكثفت المخاطر ضد وجودنا وهويتنا، بما يجعلنا منشدين على الدوام الى انتصارات مشرقنا العربي والإسلامي كما بنفس الدرجة.. الى انتكاساته.. والى قضاياه الجوهرية والمصيرية كما لو أنها بحجم ومكانة قضايانا القطرية أو المحلية سواء بسواء.
وهكذا لم يكن من قبيل الصدف العابرة ان قامت كتلة العمل الوطني المغربية منذ عام 1934 بإحداث لجنة خاصة ضمن لجان برنامجها السياسي لمناهضة الاستعمار الفرنسي.. دعتها بلجنة حماية فلسطين والأماكن المقدسة بل وجعلت ترتيبها بين اللجان، يأتي قبل لجنة الشؤون الاقتصادية للقطر المغربي نفسه، على سبيل المثال، وذلك تأكيدا منها على ما كانت توليه من أهمية قصوى للمسالة الفلسطينية، وفي القلبمنها القدس الشريف بكل رموزها اليهودية والمسيحية والإسلامية.
ولقد فعلت الكتلة ذلك، حتى قبيل قيام دويلة اسرائيل في ماي 1948 بنحو أربعة عشر عاما، هذا مع العلم بأن الكتلة المغربية يومها كانت بمثابة التنظيم السياسي المغربي الأول (في أعقاب اندحار ثورة الريف المجيدة في عام 1926… واندحار ثورات جبال الأطلس لغاية 1934)… أقول كانت كتلة العمل الوطني هي الأداة السياسية السلمية بعد اندحار الكفاح المسلح ضد الاحتلال، والتي تفرعت عنها لاحقا عشرات الأحزاب والنقابات والمنظمات التربوية والفدائية، والتي ستقود بنجاح نضالات شعبنا نحو انعتاقه، ونحو بناء دولته المستقلة ذات السيادة بعد عام 1956.
وهكذا، ظلت أنظار مغاربيينا-على العموم- مشدودة الى القضية الفلسطينية، لدرجة تنظيم التظاهرات المليونية الشهيرة في الألفية الثالثة، في أهم مدن المغرب، وذلك في كل مرة يرتفع فيها منسوب التآمر والعدوان والتوسع ضد عمقنا العربي الإسلامي.
ولا يمكننا هنا نسيان واقعة بليغة مؤداها أن الأمين العام لجامعة الدول العربية الأستاذ عبد الرحمان عزام عشية إعلان قرار تقسيم فلسطين في 1947، توجه الى الأمير المناضل محمد بنعبد الكريم الخطابي في القاهرة رفقة الرئيس اللبناني رياض الصلح وعدد غفير من القادة السياسيين والدينيين العرب، وذلك لمناشدته توجيه نداء لكافة الشعوب العربية لدعوتها إلى إعلان الجهاد في فلسطين لمواجهة مخاطر التقسيم، وزرع كيان غريب في جسم المنطقة، لخدمة الصهيونية والإمبريالية العالمية، وذلك اعتبارا للمكانة العالية للأمير الخطابي في وجدان كل العرب المسلمين.
ولقد حدثني مرارا وتكرارا قائدي وصديقي المرحوم المجاهد الكولونيل الهاشمي الطود.. قائلا: (… لم يمض سوى أسبوع واحد على نداء الأمير حتى حضرالالآف من المتطوعين العرب في سبيل القضية الفلسطينية بحيث تكلفت الجامعة العربية بتجميعهم تحت إشراف صاحب نداء الجهاد، الأمير بن عبد الكريم الخطابي، حيث كان من بينهم أكثر من ألف متطوع مغاربي، معظمهم كان من ليبيا وتونس بحكم القرب الجغرافي، وأقل من ذلك من المغرب والجزائر بحكم التباعد.
كما لا ينسى الكولونيل الطود التذكير بأن أولئك المتطوعين المغاربيين عادوا الى مصر مكرهين بعد إعلان حالة الهدنة في نهاية 1948م، لكنهم سرعان ما استفادوا من التدريب العسكري المكثف الذي وفره لهم القائد جمال عبد الناصر من أجل التعجيل بتحرير أوطانهم، ليشكلوا بعد ذلك تحت اشراف الأمير الخطابي وحدات ضاربة لجيش تحرير المغرب العربي، كما كان يسميها الأمير … مع أنه أمازيغي … ولكنه دوما كان ينأى بنفسه عن توظيف لفظ الأمازيغي كالعلامة المختار السوسي في اتجاه الانفصال والعزلة والترامي في أحضان الغرب أو الماسونية أوالصهيونية.
وهكذا، على خطى قادتنا المتطوعين الأوائل من أجل فلسطين: الكولونيل الهاشمي الطود- حمادي العزيز- عبد الحميد الوجدي- ابراهيم القاضي- حدو أقشيش وغيرهم… أقول على خطاهم المباركة، واقتداء بمساراتهم تشرفت بأن انخرط بدوري كمتطوع في صيف 1968 في تداريب منظمة الصاعقة- طلائع حرب التحرير الشعبية- التابعة لحزب البعث العربي الاشتراكي، وذلك بمعسكر الزبداني بضواحي دمشقكأول عضو زكته قيادته الحزبية المغربية، حيث ضحيت بوظيفتي كمدرس ابتدائي في إقليم اكادير للذهاب إلى المشرق العربي بينما كان سني لا يتجاوز 21 عاما.
ولقد كان ذلك الانخراط في دمشق مباشرة بعد نكبة الخامس من يونيو 1967 والتي أدمت قلوبنا جميعا، كما كان ذلك التطوع بعيد معركة الكرامة المجيدة في أغوار الأردن في صيف 1968م.
ولقد كان علي وفقا لتعليمات قيادتي في التنظيم السري المسلح في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بأن أدون كل ما أتلقاه من دروس عسكرية، كي يستفيد منها لاحقا من سيأتي بعدي من المتطوعين المغاربة والذين فاق عددهم الأربعين اعتبارا من شهر يونيو 1969، قبل إخضاعهم لنفس التداريب على دفعات- سواء بمعسكر الزبداني أو بمعسكر عين بيضاء، وذلك لتصليب تكويننا العسكري في خدمة خيار العنف المسلح الذي تبناه تنظيمنا في الداخل في مواجهة الظروف القاسية المدعاة بسنوات الجمر والرصاص في المغرب كما تعلمون جميعا… هذا من جهة، ومن جهة ثانية لكي نساهم في المجهود الحربي لدعم الكفاح الفلسطيني المسلح، باعتبار ذلك كان جزءا أساسيا من برنامجنا السياسي القومي العربي، الهادف الى حشد الطاقات ضد معسكر الخصم المتمثلآنذاك في الأنظمة الامبريالية والصهيونية والعنصرية والرجعية العربية.
وبينما جرى تقسيمنا بعد ذلك الى فصيلين عاد الأول الى المغرب، بينما بقي الثاني مناضلا مع المنظمات الفلسطينية لتنفيذ مختلف الأعمال القتالية ضد العدو… لدرجة أن رفيقنا – موح أو موح نايت بري (من جماعة تكفلت بأعالي الأطلس الكبير) نفذ لوحده 44 عملية فدائية في غضون أربع سنوات (من صيف 1969 الى صيف 1972) بينما اضطلع بنفس الواجب القومي رفاقنا الآخرون عبد الله المالكي وعبد الرحمان شوجاروزين البشير بن قدور وغيرهم، وستنفذ أحكام الإعدام في بعض هؤلاء الرفاق في أعقاب أحداث 3 مارس 1973 المعروفة.
أما أنا، فبعد تخرجي من الكلية الحربية السورية في حمص كمهندس عسكري في صيف 1971، فقد توجهت الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة الرفيق الدكتور جورج حبش، حيث زاولت مهام تدريب مقاتليها في القطاعات: الشرقي ثم الأوسط ثم الغربي التابعة لها على مختلف صنوف الأسلحة وتكتيكات القتال ، وصولا لتدريب المئات من أعضاء المنظمات الأممية الحليفة للجبهة كالجيش الأحمر الياباني بقيادة (فوساكوشيكينوبو) والجيش الشعبي التركي بقيادة ماهر كايان ودنيس كزميش، وفصيل مجاهدي خلق الماركسي الإيراني الذي سيساهم بعد ذلك في تفجير الثورة في ايران… وغيرهم.
ولقد كان هؤلاء المقاتلون الأمميون القادمون من مختلف أطراف العالم ينفذون أعمالا قتالية ضد اسرائيل، بينما كانوا يتلقون تداريبهم، على غرار ما قام به المقاتل الياباني (كوزو أو كاموتوو) ورفاقه الأبطال في صيف 1972 بمطار بنكوريون ضد مئات الصهاينة…
وكذا ما قام به ماهر كايان ودنيس كزميش ضد القنصل الإسرائيلي العام المدعو (ايلروم) في أنقرة.
كما حصل لي الشرف بقيادة القطاع العسكري للجبهة الشعبية في قطاع العرقوب، شمالي فلسطين المحتلة في قواعدنا براشيا الفخار وحاصبيا ومرج الزهور.
وستأتي بعدنا موجة أخرى من المتطوعين المغاربة لدعم كفاح إخواننا الفلسطينيين من خارج تنظيمنا السري المسلح، وذلك اعتبارا من أواخر عام 1972 ليستشهد منهم العديد في ساحات الكفاح المسلح من أمثال:
- الحسين الطنجاوي- ابن مدينة تطوان والمنتمي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والذي استشهد في إحدى العمليات الفدائية في شهر نونبر 1974.
- عبد الرحمان امزغار – ابن بلدة اصيلا والذي استشهد في 15 يونيو 1975.
- النومريالركراكي – ابن مدينة آسفي والذي استشهد في نونبر 1988.
- مصطفى قزيبر- ابن مدينة آرفود والذي استشهد جنوب لبنان 1994،
- عبد القادر بوناجي – طالب بكلية الطب بمونبولييه الفرنسية ابن مدينة وجدة، والذي كان منتميا لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) والذي استشهد إبان الغزو الإسرائيلي لبيروت في عام 1982.
- الرفيقة ناديا برادلي والتي أصابها الإسرائيليون بسرطان خطير أثناء تحقيقاتهم معها في اسرائيل مع أختهاغيثة برادلي مما أودى بحياتها بعد عودتها الى المغرب.
- حسن بن الطيب- أبو الطيب- ابن بلدة بركان المنتمي لجبهة التحرير العربية، ثم لحركة فتح، والذي عشت معه في مخيم النبطية بعد عام 1972 والذي استشهد تحت تعذيب الأمن اللبناني في سنة 1983 وغيرهم….
ولا يسعني قبل اختتام هذه الكلمة المتواضعة إلا أن أذكر محمد السافيني، رفيقي في التنظيم السري المسلح، والذي اعتبرته لجنة الإنصاف والمصالحة في المغرب من مجهولي المصير.
فهذا المناضل لعب دورا بارزا في عملية استصدار القرار الشهير باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ذلك القرار التاريخي الذي أصدرته قمة الرباط في اكتوبر 1974، والذي مكن الرئيس ياسر عرفات في أقل من أسبوعين من إلقاء خطاب تاريخي هام أمام ممثلي 140 دولة بمقر هيئة الأمم المتحدةفي نيويورك في 13 نونبر 1974، بحيث ظلوا يصفقون وهم وقوف لعدة دقائق.
كما إن قرار الرباط الآنف الذكر أتاح للمنظمة فور ذلك فرصة الحصول على مقعد العضو المراقب بالأمم المتحدة، وأكد حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والسيادة.
سيداتي … سادتي…
لقد تسلمت منظمة التحرير 14 عضوا من تنظيم صلاح خلف أبي أياد من المغرب عبر مصر، والذين كان مقررا أن ينفذوا عملية ضد الملك حسين في الرباط في حال رفضه رفع وصايته عن القضية الفلسطينية، أقول … عاد الفريق المكلف سالما وبقي مصير رفيقنا محمد السافيني مجهولا حتى اليوم، علما بأن لجنة الإنصاف والمصالحة اعتبرته رسميا في عداد مجهولي المصير.
والمؤلم أن لا أحد يتكلم عنه بعد كل هذا الغياب الطويل منذ اكتوبر 1974.
هذا مع العلم بأنني أنجزت كتابا خاصا عنه سيصدر عما قريب.
فالرحمة والمغفرة لكل شهداء فلسطين وإنها لثورة حتى النصر.
والسلام عليكم.
السبت، 2 سبتمبر 2017
هكذا يتم تنفيذ عقوبة الإعدام في المغرب شهود عيان راقبوا وقوع الموت عن قرب.
هكذا يتم تنفيذ عقوبة الإعدام في المغرب شهود عيان راقبوا وقوع الموت عن قرب
كل الذين ساهموا بشكل أو بآخر، في الإعدامات وإيقاع الموت قانونيا من جهة، والذين فقدوا حياتهم جراء ذلك، كلهم كانوا نتاج ظرفية تاريخية أو مجتمعية ، فكيف يتم تنفيذ عقوبة الإعدام؟
"حي الإعدام" بالسجن المركزي بالقنيطرة، فضاء يكاد يكون مظلما لولا ضوء خافت ينبعث من مصباح غشاه غبار السنين المتراكم..نور ضعيف لا يضيء إلا جزءا ضئيلا من الحي.. يشعر والجه بأن الموت قريب منه، يحوم حوله من كل الجوانب. فقد تناسلت الكثير من القصص حول هذا الحي وقاطنيه الطين كانوا نادرا جدا ما يستعملون أفعال المستقبل كأن لا غد لهم مهما كان قريبا.. وجوههم يائسة لا لون لها.. نظراتهم ذابلة وباردة لا حرارة حياة فيها.. عيون مثقلة من قلة النوم بالنهار والاستيقاظ بالليل..إذ كانوا يأتون ليلا لأخذ المحكومين بالإعدام عندما تحين ساعتهم.. لهذا لم يكن أحد من نزلاء حي الموت يقوى على النوم ليلا حتى لا يفاجأ بموعد حلول الموت وهو نائم.. كل دقائق الحياة اليومية لنزلاء حي الإعدام تدور حول الموت.. وقد تكيف حراس هذا الحي وموظفو الإدارة مع هذا الواقع.. التزموا "ببروتوكول" خاص لا مثيل له في أحياء السجن الأخرى.. مثلا كلهم يرتدون أحذية رياضية ليلا خشية إحداث صوت عند تحركهم، لأن صوت الأقدام ليلا يفهم منه أنهم آتون لاقتياد أحد النزلاء إلى عمود الإعدام، كما أنهم يتجنبون فتح أو إقفال الأبواب الحديدية بقوة، لأن صوت المفاتيح في الأقفال ليلا، يوحي هو كذلك بنفس الشيء.. هكذا تكيف نزلاء حي الإعدام بالسجن المركزي مع الموت وصاحبوه في كل شبر من هذا الفضاء.. لا أمل لهم إلا واحد لا ثاني له، انتظار عفو ملكي يحول عقوبة الإعدام إلى المؤبد لاسترجاع حقهم في الحياة التي سلبوا منها بمجرد أن نطق القاضي الحكم في آخر جلسة.
عموما، يخضع تنفيذ عقوبة الإعدام في المغرب لإجراءات مسطرية خاصة، فمباشرة بعد النطق بالحكم النهائي من طرف غرفة الجنايات في محكمة الاستئناف، حيث جرت المحاكمة، يقدم طلب فوري بالعفو، ويعامل السجين المحكوم بالإعدام بطريقة ينظمها القانون، كما يجري التنفيذ حسب إجراءات محددة، ويمارس رميا بالرصاص، بعد أن يصدر وزير العدل قرار التنفيذ.
الأستاذ عبد الرحمان بن عمرو
شاهد عيان حضر أكثر مرة تنفيذ عقوبة الإعدام
يعتبر النقيب عبد الرحمن بن عمرو من المحامين الذين حضروا الكثير من حالات تنفيذ عقوبة الإعدام بالمغرب. عاين تنفيذ عقوبة الإعدام في القضايا السياسية التالية:
- تنفيذ عقوبة الإعدام على المقاومين الأربعة : بنحمو الفواخري ورفاقه وقد كان التنفيذ سنة 1961 وبداية 1962.
- تنفيذ عقوبة الإعدام على المحكوم عليهم في القضية المعروفة بقضية المقاوم عمر دهكون ومن معه، والتي صدر فيها حكم في 30 غشت 1973 متضمنا 16 إعداما ونفذ في 15 منهم في فاتح نونبر من نفس السنة، أما المحكوم عليه السادس عشر فقد أجل تنفيذ الحكم فيه، لينفذ، بعد إضافة ستة آخرين أعيدت محاكمتهم، ولينفذ أخيرا في حق هؤلاء السبعة في غضون شهر غشت 1974.
- تنفيذ عقوبة الإعدام على الضباط العسكريين، فيما عرف بقضية الهجوم جوا على الطائرة الملكية، وعدد المحكوم عليهم بالإعدام 11 (قضية محمد أمقران ومن معه)، وقد صدر الحكم في 17 نوفمبر 1972 ونفذ ليلة عيد الأضحى.
نفذ الإعدام في القضايا المذكورة قرب السجن المركزي بالقنيطرة، في ساحة قرب المهدية وذلك بعد عصب العينين وتقييد الأيدي وربط المنفذ عليهم بأعمدة، وعن طريق الرمي بالرصاص من طرف مجموعة من الجنود يقفون على مساحة معينة (حوالي 100 متر)، ويتم الإعدام في جنح الظلام وبالتدقيق قبيل الفجر.
و حسب الفصل 19 من القانون الجنائي، قبل نسخه بمقتضى الفصل 756/6 من المسطرة الجنائية الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ في فاتح أكتوبر من سنة 2003، فإنه يحضر عملية التنفيذ رئيس المحكمة التي أصدرت الحكم، وإلا فقاض يعينه الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، وعضو من النيابة العامة، وأحد قضاة التحقيق، وإلا فأحد القضاة من محكمة المكان الذي يقع به التنفيذ، وأحد كتاب الضبط، ومدافعو المحكوم عليه، ومدير السجن الذي يقع فيه التنفيذ أو كان المنفذ عليه معتقلا به، ورجال الأمن الوطني المكلفون من قبل النيابة العامة، وطبيب السجن وإمام ثم عدلان.
بعد نسخ الفصل 19 وذلك بمقتضى المادة 756/6 من المسطرة الجنائية الجديدة، فإن هذه الأخيرة أعادت، عن طريق المادة 603 من المسطرة الجنائية ذكر من يحضر عملية التنفيذ، وهم تقريبا نفس من ورد ذكرهم في الفصل 19 من القانون الجنائي، أي الفصل المنسوخ. ومن ضمنهم "محامو المحكوم عليه"، الأمر الذي يعني أن المشرع أبقى نظريا على حضور الدفاع ولكنه من الناحية العملية فإنه - حسب ما يعلم الأستاذ عبد الرحمن بن عمرو - منذ أواسط السبعينيات لم يعد يستدعى المحامون لحضور عملية تنفيذ الإعدام.
ومن المفروض أن يصل المحام إلى السجن المركزي قبل نقل موكله إلى ساحة التنفيذ وأن يلتقي به في السجن ويسمع إلى ما يرغب في التصريح به. إلا أنه من الناحية العملية لم يسمح للأستاذ بالاتصال بموكله قبيل تنفيذ الإعدام، إلا في مجموعة قضية حمو الفخاري وقضية مجموعة الضابط أمقران، أما في قضية عمر دهكون ومن معه فإنه لم يسمح له ولا لبقية الدفاع بالاتصال بهم قبيل التنفيذ. وبعد ذلك لم يعد الدفاع يخبر أو يستدعى لحضور عملية التنفيذ رغم أن القانون كان ينص على ذلك.
أما حاليا، وكما أشرت، فإنه نسخ أو ألغي الفصل 19 من القانون الجنائي الذي كان ينص على حضور الدفاع عملية التنفيذ.
إن عمليات التنفيذ الثلاثة التي حضرها الأستاذ بن عمرو، اتصف المنفذ فيهم بالثبات والرجولة، وكانوا يقرأون القرآن، ويتذكر الأستاذ بالنسبة للتنفيذ في مجموعة المقاومين الأربعة (بنحمو الفخاري ورفاقه) أن الفخاري رفض وضع العصابة على عينيه معلنا أنه مستعد أن يموت وهو يرى سماء المغرب.
وبعد إطلاق النار من طرف فرقة الإعدام، يعاين أحد الضباط الميت ويتأكد بعد إطلاق الرصاص، هل تحقق الموت، ويطلق على من لازال يحتضر ما يسمي برصاصة الرحمة.
أما حضور العدلين، فالمقصود منه هو أخذ مطالب المنفذ عليهم الإعدام، إلا أن الأستاذ أقرّ أنه لم يسبق له أن استمع عن قرب لهذه المطالب.
الراحل جواد العراقي محام ونقيب سابق
"رجعت إلى البيت محطم الأعصاب"
قبل وفاته تجاذبت أطراف الحديث مع الأستاذ الراحل جواد العراقي المحامي بهيأة القنيطرة بخصوص مراسيم تنفيذ عقوبة الإعدام لأنه عاين إحداها، وقبل الخوض في الموضوع أصر الراحل على التذكير بأن قضية الإعدام كانت الشغل الشاغل للمحامين الشباب في أوائل ستينيات القرن الماضي، ذلك أنه بعد اختيار الأستاذ أحمد الشاوي كاتبا لندوة المتمرنين بهيئة المحامين بالرباط للسنة القضائية 1963 – 1964، قام بتقديم خصصه لموضوع عقوبة الإعدام مطالبا في ختامه بإلغائها، والجدير بالذكر أن ندوة التمرين كان يحضرها إذ ذاك وزير العدل والرئيس الأول لمحكمة الاستئناف والهيئة القضائية علاوة على المحامين.
وعقب هذه الندوة تكونت جمعية للمطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، وكان من ضمنها عدد كبير من المحامين، بينهم الأساتذة الراحل محمد بوزوبع والراحل الفاروقي والراحل أحمد عبابو وعباس الفاسي والراحل جواد العراقي وغيرهم، وأخذوا على عاتقهم أن تكون مقدمة مرافعتهم في كل قضية يطلب فيها الإعدام الدعوة إلى إلغاء عقوبة الإعدام وعدم النطق بها.
وبخصوص حالة تنفيذ الإعدام التي عاينها، قال الراحل جواد العراقي.. في ليلة إعدام العقيد أمقران ومن معه، كانت هذه الجماعة (مجموعة المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام) إضافة إلى عدد من الفاعلين الجمعويين والمثقفين ومنهم عبد الكريم غلاب مجتمعين في منزل الراحل محمد بوزبع ليحرروا ميثاق ميلاد هذه الجمعية، إلا أنهم فوجئوا برجال الأمن يحضرون للمنزل المذكور لإبلاغ محاميي الدفاع قرار تنفيذ الإعدام في قضية العقيد أمقران والكويرة ومن معهما.
وأضاف الراحل جواد العراقي.. هكذا حضرت تنفيذ الإعدام ليلة عيد الأضحى لسنة 1973، وكان الأمر يتعلق بالمحكوم عليهم بالإعدام في قضية ما سمي بـــ "الهجوم على الطائرة الملكية"، علما أنني لم أحضر قط أي تنفيذ إعدام في الأظناء".
واسترسل الأستاذ الراحل موضحا.. إنني لما توصلت بالاستدعاء لحضور تنفيذ عقوبة الإعدام سقط كل ما كنت أمسكه بيدي آنذاك.. فالعلاقة بين المحامين والشخص المحكوم عليه بالإعدام تكون علاقة تخرجه عن نطاق العمل فقط، وتصبح علاقة شبه عائلية وأخوية تقريبا.
وأقر الأستاذ الراحل قائلا.. أجل إن حضور المحامين من الناحية المحامية ضروري، فالمحكوم عليه بالإعدام لا يكون له قريب أو مؤنس في تلك اللحظة سوى محاميه. علما أن الإطلاع على محضر عملية تنفيذ عقوبة الإعدام بالمغرب يفيد بأنها تتم بحضور جماعة من الأشخاص كلهم كانوا وراء صدور هذا الحكم، واللائحة كما يلي: الرئيس الذي أصدر العقوبة، وقاضي التحقيق، والوكيل العام، والمنفذون.
ويسترسل الأستاذ الراحل حديثه مبينا.. لقد حضرت تنفيذ الإعدام في مجموعة العقيد أمقران التي تمت في أولاد برجال "الشليحات" على الساحل المحيط الأطلسي بعيد عن الساكنة بناحية القنيطرة، في فضاء مخصص لعمليات تدريب الجنود على الرماية. أما حالة المحكوم عليهم، فكانت عادية، عكس ما قد يتصوره المرء، كانوا شجعانا وتقبلوا تنفيذ الحكم بثبات ورباطة جأش طالبين الشهادة والاستشهاد.
وفي خضم حديثه رجع الأستاذ الراحل جواد العراقي إلى الماضي خلال عملية السرد ليؤكد.. حضرنا إلى السجن المركزي بالقنيطرة مبكرا، وبعد أن حضر الرئيس الذي أصدر الحكم تقدم المحكوم عليهم بمعية محاميهم. أما طلباتهم فقد فكانت منحصرة في المسائل المتعلقة بعائلاتهم وأفراد أسرهم.
وأشار الأستاذ الراحل.. أنه في إطار هذه القضية تم تأخير موعد التنفيذ إلى حوالي الساعة الثامنة صباحا لأسباب كنا نجهلها، مع العلم أن التنفيذ كان من المفروض أن يتم قبل الفجر، وتمت عملية التنفيذ بعد وقوف المحكومين مصطفين مقيدين ومربوطين للعمود، وأمامهم اصطف أفراد فرقة الرماة على بعد بضعة أمتار، وبعد إشارة رئيسهم دوت طلقات النار، وبعد ذلك قامت الفرقة بمعاينة الجثث ليتيقنوا سداد التنفيذ، بالموت الأكيد.
وختم الراحل الأستاذ جواد العراقي حديثه قائلا.. كانت هذه أول مرة أحضر فيها معاينة تنفيذ العقوبة القصوى، وكان لمشهدها وترتيباتها تأثير شديد القوة على نفسي، بحيث رجعت إلى البيت محطم الأعصاب، ولولا علمي المسبق بأشياء أخبرني بها المحكوم عليهم في خلوة بيننا (المحاميين) وبينهم قد تقع، لما وجدت القوة لمغادرة البيت. لذلك اضطررت أن أتوجه إلى الرباط ولكن مع الأسف الشديد وصلت متأخرا، فحصل ما حذروا منه، كما وقع للأستاذ محمد اليازغي عندما انفجر طرد بين يديه.
إعدام الكوميسير ثابت
ما هي الأسباب التي جعلت من الكوميسير ثابت، المجرم الأكثر شهرة بالمغرب؟ هل نظرا لجرائمه البشعة غير المألوفة ببلادنا، أم لأنه كان آخر محكوم بالإعدام لقي حتفه تنفيذا للعقوبة؟ يبدو أن السببين معا تداخلا مع الظرفية والوظيفة لجعله كذلك في نظر أغلب المغاربة.
إعدام الكوميسير ثابت كان آخر إعدام تم تنفيذه بالمغرب وكان ذلك في غضون شهر شتنبر 1993.
صدر الحكم بالإعدام في غضون شهر مارس 1993، وتم تنفيذه يوم الإثنين 9 غشت من نفس السنة. لأول مرّة بالمغرب تمّ التنفيذ بسرعة فائقة غير معهودة، علما أن فضائح الكوميسير انفجرت في شهر رمضان. وبعد إعدامه ساد جوّ من الرعب في جناح المحكومين بالإعدام بالسجن المركزي بالقنيطرة، ولم يرجع إليه الهدوء وشيء من السكينة إلا في غضون شهر يوليو 1994 عندما استفاد المحكومون بالإعدام بعفو ملكي خفض العقوبة إلى السجن المؤبد أو مدة محددة.
لقد تخلصوا من الانتظار الذي يُعتبر أكبر أعداء المحكوم بالإعدام، بجانب الضجيج الذي تحدثه المفاتيح والأبواب الحديدية بحي "ب" بالسجن المركزي وأقدام الحراس ليلا. إذ أن فتح زنزانة ليلا في هذا الجناح يعني شيئا واحدا لا ثاني له، حلول موعد الحتف ومقابلة فرقة الموت.
في الخامسة صباحا من اليوم الموعود، لوحظت حركة غير عادية بحي الإعدام بالسجن المركزي بالقنيطرة، كان الكومسير ثابت منهمكا في أداء صلاة الصبح، آخر صلاة قبل مواجهة الموت، ذلك اليوم حضر جملة من الشخصيات لمعاينة عملية تنفيذ الإعدام، وكان من بين الحضور الجنرال حسني بنسليمان، أحمد الميداوي (الذي أصبح مديرا عاما للأمن الوطني بعد هذه المعاينة) ومحمد لديدي (مدير إدارة السجون)، ومدير السجن المركزي، والقضاة ومحامي الدفاع.
أمام فرقة الرماة، رفض الكوميسير وضع العصابة السوداء على عينيه، وبعد آخر ارتجافة صرخ قائلا: "حوكمت من أجل ما يقوم به جميع الناس، لكن الأشخاص الذين أدينوا معي لا دخل لهم في هذه القضية..."
قبل تنفيذ العقوبة كانت معنويات ثابت جيدة، إذ لم يكن يخطر بباله أنه سيقف وجها لوجه أمام فرقة الموت. هذا ما أكده مدير السجن المركزي الذي دأب على زيارته يوميا بزنزانته الانفرادية. آنذاك كان ثابت اعتاد على الاستيقاظ باكرا لأداء صلاتي الفجر والصبح. وقتئذ كان عدد من الشخصيات يزورون الكوميسير ثابت لطمأنته، وحينها كان يردد: "يجب الانتظار بعض الوقت خلف القضبان في صمت قبل معانقة الحرية من جديد". لكن في واقع الأمر كان مجرى الأحداث يسير في اتجاه معاكس بالتمام والكمال.
أعدم الكوميسير ثابت بتهمة هتك عرض عدة نساء مع استعمال العنف والوحشية والقيام بتصويرهن على أشرطة فيديو خاصة، لكن الشريط 32 ظل لغزا محيرا ولطالما نادى ثابت بمشاهدته، لكن القاضي رفض طلبه مرارا.
لم يكن الكوميسير ثابت يظن أن حكم الإعدام سينفذ، وظل يعتقد أنه سيتم إعادة النظر في الحكم الذي لن يتجاوز 5 سنوات على أبعد تقدير، إذ تلقى وعودا كثيرة بهذا الخصوص من شخصيات وازنة.
يوم إعدامه كانت عائلته تهيئ "القفة" لزيارته في السجن فسقط عليها خبر تنفيذ الإعدام كالصاعقة.
ومن آخر مطالبه أنه التمس من الملك إعادة التحقيق في القضية ليعرف أبناؤه الحقيقة كاملة، كما طلب أن تمنح ساعته ونظاراته لابنه عماد، لكن لم تتم الاستجابة لطلبه، وسلمت جثثه للعائلة في صندوق مغلق. كما قيل أنه طلب من القاضي لحسن التولفي الذي عاين تنفيذ العقوبة إبلاغ زوجته برقم هاتف واسم شخصي، وقد قبل القاضي قبل اقتياده إلى عمود الموت.
إعدام أمقران والكويرة ورفاقهما الطيّارين
يوم السبت 13 يناير 1973، أعدم 11 طيارا بشاطئ الشليحات هم أمقران، الكويرة، زياد، بوخالف، المهدي، بلقاسم، بينوا، بحراوي، كمون، العربي واليزيد، رميا بالرصاص.
بعد نهاية المحاكمة ظل أمقران والكويرة داخل السجن العسكري بالقنيطرة يقضيان نهارهما في الحديث والمطالعة ولعب كرة السلة في ساحة السجن.
آنذاك راجت إشاعة عن إمكانية استفادتهما من عطف الملك وعفوه، كما راجت أخبار مفادها أن المقربين من الملك نصحوه بتهدئة الأجواء لاسيما وأن البلاد عرفت محاولتين انقلابيتين متتاليتين خلال سنة (صيف 1971 – صيف 1972)، لكن ما حدث كذب هذه الإشاعة، إذ تم نقلهما من السجن العسكري إلى دار المقري (النقطة الثابتة رقم 3)، حيث تعرضا للاستنطاق بخصوص علاقة عمر الخطابي بالانقلاب ومورست عليهما جميع أنواع التعذيب، وفجر اليوم الموالي نفذ في حقهما ومن معهما حكم الإعدام.
وخلافا لما جرى به العمل أعدموا بعد الفجر، تحت دفء أشعة الشمس الصيفية، على شاطئ المحيط الأطلسي بالشليحات على الضفة الشمالية لمصب واد سبو.
وحسب شهود عيان فإنهم واجهوا الموت بشجاعة ورباطة جأش، وعندما قيدوا على العمود قرأوا ما تيسر من القرآن.
إعدام عبد الرحيم إينوس
من الإعدامات الأولى المنفذة في الستينيات إعدام عبد الرحيم إينوس، الذي لم يكن سنه يتجاوز 14 ربيعا، عندما أطلق النار على الضابط لحسن الغول الذي صفى عددا من المقاومين.
صرح عبد الرحيم إينوس أمام هيئة المحكمة العسكرية في منتصف الستينيات أنه قضى على حياة مجرم اغتال الكثير من أبناء الشعب المغربي البررة، واعتبر ما قام به واجبا وطنيا لأنه تربى على رفض الظلم والاستغلال والخيانة في ظل الاستعمار الفرنسي، فكيف يقبله في عهد الاستقلال وهو صادر عن مغاربة ضد مغاربة؟
وكان حكم المحكمة العسكرية هو الإعدام رميا بالرصاص في حق عبد الرحيم إينوس ورفيقه في درب النضال والكفاح محمد باشوش.
لحظة إعدام الفواخري ورفاقه
من الإعدامات الأولى التي ارتبطت بشخص الملك الراحل، إعدام مجموعة محمد بن حمو العياشي (الفواخري) والتي اتهمت بالتخطيط لاغتيال الملك الحسن الثاني، ولي العهد آنذاك، شهورا معدودة قبل اعتلائه عرش البلاد. وتوبع الفواخري بمعية 10 من رفاقه بتهم حيازة السلاح والإخلال بأمن الدولة والقتل العمد.
وجاءت الأحكام التي نطق بها أحمد الزغاري، رئيس المحكمة العسكرية، مقرة حكم الإعدام في حق الفواخري وعبد الله بن لحسن الزناكي والمولات إدريس والجابوني وعمر بناصر، والمؤبد في حق الآخرين. ونفذ الحكم سنة 1961 داخل السجن المركزي بالقنيطرة، وقد رفض الفواخري وضع العصابة على عينيه، وكان آخر ما نطق به الكلمة التي سبق أن قالها المقاوم أحمد الراشدي قبل إعدامه من طرف السلطات الاستعمارية، "اتركوني أرى لآخر مرة سماء وطني الذي ضحيت في سبيله"، في حين كان آخر ما نطق به رفيق الفواخري، عبد الله بن لحسن الزناكي "يحيا الوطن" وقال رفيقهما المولات إدريس "هذا ما يجازينا به الإقطاع".
إعدام العسكريين
اتضح نهج الملك الراحل الحسن الثاني في الحكم مبكرا، وتجلى ذلك منذ سنة 1963، ثم في 1965 مع القمع الشرس الذي ووجه به التلاميذ والطلبة وأولياء أمورهم، بالإضافة إلى عملية اختطاف المهدي بن بركة. وقد شكلت سنة 1971 المفترق الذي كشف عن سخط وغضب بعض العسكريين الذين خططوا للانقلاب بسرعة عفوية غير معهودة لدى القادة العسكريين، وبالرغم من إعدام جنرالات ومحاكمة المتهمين بالمشاركة في انقلاب الصخيرات، تلاه انقلاب آخر في صيف 1972 (الهجوم على الطائرة الملكية) يوم 16 غشت 1972.
عشية فشل الانقلاب الأول تم اعتقال الجنرالات المشكوك في أمر مشاركتهم فيه، إذ كلهم خضعوا لاستنطاق أشرف عليه الجنرال محمد أوفقير شخصيا، هو الذي لم يدق طعم النوم ليلتين متتاليتين، وفي اليوم الثالث رافق الجنرالات إلى ثكنة مولاي إسماعيل بالرباط لإعداد تنفيذ إعدامهم بدون محاكمة.
وهناك من إحدى المكاتب تابع الملك الحسن الثاني وضيفه الملك حسين مشهد الإعدام بالمنظار.
تابعا معا المشهد من أوله إلى آخره.. إذ تم تجريد الضباط السامين من النياشين وربطهم بالأعمدة واستعداد فرقة الرماة لإطلاق النار.. ظلا معا يتابعان المشهد بالمنظار إلى حين سقوط المعدومين الذين هتف بعضهم إما بحياة الملك أو بحياة الوطن. كما عاين الملكان جثث المعدومين على الأرض والجنود الحاضرون يقتربون منها للبصق عليها.
وفي لحظة فقد المغرب 9 جنرالات من أصل 14 أغلبهم من الأمازيغ، وقد تابع المغاربة مراسيم إعدام الجنرالات على شاشة التلفزة مباشرة، كما حضرت جماهير غفيرة إلى ثكنة مولاي إسماعيل لمعاينة هذا الحدث، وكانت الحصيلة إعدام 4 جنرالات، بوكرين وحبيبي وحمو ومصطفى و4 كولونيلات والكومندار إبراهيم المانوزي، وكل هؤلاء لم تكن تربطهم أية علاقة بالسياسة، ولم يكن لديهم أي وازع ديمقراطي، بل أغلبهم ساهم في قمع المقاومة بجبال الريف منذ 1925 وقمع التحركات النضالية في مختلف أرجاء المملكة.
أما الانقلاب الثاني (16 غشت 1972)، فكانت حصيلته إعدام 11 ضابطا في يناير 1973 رميا بالرصاص. علما أنه تم تعيين الجنرال أحمد الدليمي ضمن هيئة القضاة التي نظرت في قضية الهجوم على الطائرة الملكية في صيف 1972، وبذلك كان خصما وحكما في ذات الوقت، إذ اقتصر دوره فقط على الضغط على زناد السلاح الذي سيصوب في اتجاه صدر المتهمين، وهذا ما كان.
إعدامات 1973
حطمت سنة 1973 الرقم القياسي بخصوص الحكم بعقوبة الإعدام وتنفيذها.
يوم فاتح نوفمبر تم إعدام 15 شخصا رميا بالرصاص، وجميعهم أدينوا في محاكمة مراكش على إثر أحداث مولاي بوعزة، بتهمة تهديد أمن الدولة، وتم تنفيذ الإعدام يومين بعد عيد الأضحى.
تم إعدام عمر دهكون ورفاقه، وإضافة إلى هؤلاء نفذ حكم الإعدام يوم 27 غشت 1974 في حق 7 آخرين.
إعدام البهائيين
من المعدومين في بداية عهد الملك الراحل الحسن الثاني بعض المغاربة الذين اعتنقوا البهائية وحاولوا الترويج لها في المغرب، في فجر الستينيات بشمال المملكة.
عندما اهتمت الصحافة المستقلة بإشكالية التنصير وحرية الاعتقاد، تطرقت بعض الجرائد الصادرة بالعربية والفرنسية إلى وجود مغاربة يعتنقون البهائية (البهائيون المغاربة). كما أن التقرير الأمريكي السنوي وقتئذ أشار إلى وجود ما بين 400 و800 من المغاربة يعتنقون البهائية، من ضمنهم أطر بنكية ورجال تعليم ومهنيون تمركز أغلبهم بين مدينتي الرباط والدار البيضاء. لكن هل ظاهرة البهائيين بالمغرب ظاهرة جديدة أم قديمة؟
بدءا يمكن القول إنها ظاهرة ليست بالجديدة بالمغرب، إذ سبق أن عرفتها بلادنا منذ السنة الأولى لاعتلاء الملك الراحل الحسن الثاني عرش البلاد خلفا لوالده الراحل الملك محمد الخامس في فجر الستينيات، وقد سبق لمدينة الناظور أن عرفت محاكمة مجموعة من البهائيين المغاربة حوكم بعضهم بالإعدام، إذن سمع المغاربة الحديث لأول مرة عن وجود بهائيين بين ظهرانيهم سنة 1962، وكان ذلك بالشمال، لاسيما بمدينة الناظور وضواحيها، آنذاك وردت البهائية من إيران.
في تلك السنة احتضنت مدينة الناظور محاكمة 13 شابا مغربيا من المدينة ومن الشمال وسوريا كان يشغل منصب مدير تعاونية الصناعة التقليدية بمدينة فاس، وقد اتهموا بإثارة القلاقل والمس بالنظام العام، وفي نهاية المطاف حكمت المحكمة على 3 منهم بالإعدام و5 بالمؤبد مع الأشغال الشاقة ومنهم من حوكم 15 سنة سجنا نافذا.
خلال المحاكمة نشر علال الفاسي، وزير الشؤون الإسلامية آنذاك، مقالا بجريدة "الاستقلال" ذهب فيه إلى القول أن البهائيين المغاربة ربطوا علاقة مع إسرائيل بهدف تقويض أسس الدولة المغربية. في حين تساءلت جريدة "المنار" –"لي فار" التي كانت تصدر بالفرنسية والتي أسسها أحمد رضا كديرة وزير الداخلية آنذاك- عن المرتكزات القانونية لمتابعة البهائيين، باعتبار أنه لا وجود لنص قانوني يقر بعقوبة الإعدام بخصوص المس بالدين الإسلامي، كما أبرزت أن البند السادس من الدستور المغربي كان يقر آنذاك بحرية الاعتقاد، وبعد يومين من صدور مقال جريدة "المنار"، كان رد الملك الراحل الحسن الثاني خلال حديث صحفي أجراه يوم 12 دجنبر 1962، أقر فيه أن مضمون البند السادس من الدستور لا يسمح، بأي حال من الأحوال، التبشير بمذاهب وديانات مخالفة للإسلام، كما أنه لا يفيد بقبول البهائية التي تعتبر زندقة في نظر الإسلام.
كولونيل أنقذه أمر الملك من الإعدام
إن الصدفة وحدها هي التي أنقذت الكولونيل عبد الله المنصوري من الموت حكما بالإعدام، كما حصل مع زملائه. يوما واحدا قبل تنفيذ انقلاب الصخيرات توجه، في مهمة عسكرية، إلى مدينة الناظور، وخلفه بمكتبه الكوماندان بن ابراهيم. وفي اليوم التالي، اتصل الجنرال بوكرين بمقر القيادة العسكرية بفاس وطلب حضوره العاجل إلى الصخيرات، إلا أن الناظور كانت تعيش، في تلك الفترة، وباء الكوليرا، فمنعه الدرك الملكي من مغادرة المدينة بأوامر من الملك الراحل الحسن الثاني . عاد المنصوري إلى الناظور، وفي صبيحة اليوم الموالي للمنع ، تمكن الكولونيل المنصوري من الحصول من عامل الإقليم على رخصة مرور للتوجه إلى مدينة فاس، ومن ثمة الالتحاق بالجنرال بوكرين في الصخيرات، لكن ما إن وصل إلى فاس حتى اتصل به عاملها بنشمسي، وأخبره بما حصل في الصخيرات، وفي مساء ذات اليوم، علم المنصوري بخبر إعدام الجنرال بوكرين ومساعده الكوماندان بن إبراهيم النائب عنه خلال غيابه، إذ كان من المفروض يكون في مكانه لو لم ينقذه الأمر الملكي بمغادرة مدينة الناطور.
كان الكولونيل عبد الله المنصوري يشرف على امتحانات التخرج لمئات الضباط، كما عمل رئيسا للأركان في المنطقة العسكرية بفاس، التي كانت أهم المناطق العسكرية الست بالنظر إلى قربها من الحدود الجزائرية، تحت إمرة الجنرال بوكرين، الذي أعدم ساعات قليلة بعد فشل انقلاب الصخيرات في مكناس، بعدما كان متوجها بالطائرة نحو زملائه في الصخيرات وأرغم الجنرال أوفقير ربانها على العودة إلى مكناس وانتظار الأوامر العسكرية. علما أن الإعداد لانقلاب غشت 1971 بدأ بمقر القيادة العسكرية العامة بفاس، حيث كان يلتقي الجنرالات الثلاثة، بوكرين ومذبوح ومصطفى. ففي تلك الفترة، تم تعيين الجنرال مصطفى من قبل الجنرال مذبوح، مدير الديوان العسكري للحسن الثاني، مسؤولا عن المدارس العسكرية التي يتم فيها تكوين الضباط الجدد.
طريقة تنفيذ الحكم بالإعدام
بعد صدور حكم الإعدام واستكمال المسطرة القضائية في موضوع المحاكمة، توجه النيابة العامة لدى المحكمة، التي أصدرت الحكم، إخبارا إلى وزير العدل، عن طريق مديرية الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل، ويجب على النيابة العامة أن تهيء تلقائيا طلبا للعفو دون أن يعني ذلك أن تلتمس النيابة العامة في مستنتجاتها قبول طلب العفو، لأن الهدف من الطلب هو عرض العقوبة على لجنة العفو ليتخذ فيها ملك البلاد قراره، حتى ولو لم يطلب ذلك المحكوم عليه أو عائلته.
كما ينص القانون على أن تدعو النيابة العامة دفاع المحكوم عليه بالإعدام إلى إيداع مذكرة لتدعيم طلب العفو، إذ لا يمكن تنفيذ الحكم إلا بعد أن يرفض طلب العفو، والذي لا يبلغ إلا لمحامي المحكوم عليه، الذي قدمه باسم موكله. ولأسباب إنسانية، لا يبلغ الرفض للمحكوم عليه.
يصدر أمر التنفيذ عن وزير العدل بعد طلب للوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف، ويبقى مكان التنفيذ سريا، وذلك طبقا للفصل 19 من القانون الجنائي، الذي ينص على أن عقوبة الإعدام تنفذ رميا بالرصاص، وذلك بأمر من وزير العدل، وبسعي من رئيس النيابة العامة بمحكمة الاستئناف، ويقع التنفيذ داخل السجن الذي يقضي المحكوم عليه به عقوبته، أو في أي مكان آخر يعينه وزير العدل، وذلك بحضور رئيس المحكمة، وعضو من النيابة العامة، وأحد قضاة التحقيق، وأحد كتاب الضبط بمحكمة المكان الذي يقع به مكان التنفيذ.
تتكلف فرقة من الجنود تحت إمرة ضابط بإطلاق النار، وتتحدث بعض الروايات عن إجراء عسكري متعارَف عليه في بعض الدول ويتم تطبيقه في المغرب، وهو أن أحد الرماة المكلَّفين بتنفيذ عقوبة الإعدام لا يُحشى سلاحه برصاص حي، دون علمه بذلك، حتى يعتقد كل واحد منهم بإمكانية عدم مسؤوليته عن هذا القتل "الشرعي" و"القانوني".
ويحضر أيضا إلى جانب المحكوم عليه مدير السجن ورجال الأمن الوطني وطبيب السجن وإمام وعدلان، ولا يسمح للصحافة أن تنشر أي بيان أو مستند يتعلق بالتنفيذ عدا المحضر المذكور، وإلا تعرض المخالف لغرامة.
في جميع الأحوال، تنفذ عقوبة الإعدام رميا بالرصاص بأمر من وزير العدل، وبمبادرة من الوكيل العام للملك، الذي يلتمس من السلطات العسكرية إنجاز هذا الإجراء.
كما يلزم القانون كل الأشخاص المذكورين على سبيل الحصر أن يحضروا تنفيذ الحكم بالإعدام، ولا يمكن أن يحضره سواهم.
ولا يكون التنفيذ عموميا، كما هو الحال في العديد من البلدان، وإنما يكون داخل المؤسسة، التي كان المحكوم عليه مسجونا بها أو في أي مكان آخر يحدده وزير العدل، والذي غالبا ما يكون أحد ميادين الرماية التي توجد تحت إمرة القوات الملكية المسلحة. علما أنه ظل تفضيل ميادين الرماية على المؤسسات السجنية.
فضاء إيقاع الموت بالقانون
جرى تنفيذ عدد من أحكام الإعدام بالمغرب في مكان بغابة المهدية، قرب مدينة القنيطرة، حيث يوجد السجن المركزي، مكان اعتقال المحكومين بالإعدام.
إلا أن الفصل 20 من القانون الجنائي يخول لوزير العدل اتخاذ قرار لتنفيذ حكم الإعدام في مكان عام عند الاقتضاء، وذلك بهدف ردعي أو"تربوي"، إذا جاز القول، من باب العبرة لمن تسول لهم أنفسهم اقتراف بعض الجرائم، إلا أنه لم يسبق أن طبق هذا النص في المغرب، إذ نفذت كل الأحكام بطريقة سرية، حسب الإجراءات السالفة الذكر.
يقرّ القانون بإيداع المحكومين عليهم بالإعدام بمؤسسات سجنية تتوفر على حي معد لهذه الفئة من المعتقلين بمجرد النطق بالحكم، كما أخضعهم لنظام للاعتقال الانفرادي حسب الإمكان، مع التنصيص على ضرورة إيلاء هذه الفئة من المحكوم عليهم عناية خاصة تمكن من دراسة شخصيتهم وتتبع حالتهم النفسية والحفاظ على توازنهم لتفادي كل محاولة هروب أو انتحار أو إضرار بالغير. كما سمح لهم بمزاولة بعض الأشغال بعد استشارة الطبيب والمشرف الاجتماعي. وكذا الاستفادة من زيارة أفراد عائلتهم، وأوليائهم وأصهارهم والاتصال بدفاعهم بحرية في قاعة معدة لهذه الغاية.
حالة خاصة
توجد حالات استثنائية في تنفيذ حكم الإعدام، مثل حالتي المرأة الحامل والمريض. بالنسبة للمرأة الحامل يؤجل تنفيذ الإعدام في حقها إلى حين وضع حملها بأربعين يوما على الأقل، لكن في واقع الأمر، ولأسباب إنسانية، لا تمثل المرأة الحامل أمام غرفة الجنايات إلا بعد الوضع .
أما في حالة المرض يوجب القانون معالجة المحكوم عليه قبل تنفيذ العقوبة. بعد التنفيذ، تسلم جثة المحكوم عليه لعائلته في حال ما إذا طلبت ذلك، إلا أن القانون فرض عليها الالتزام بدفنه في غير علانية، وإن كان القانون لا يمنع إلا مظاهر الاحتفال بالدفن والمظاهرات العمومية، فإذا كان متوقعا حدوث مثل هذه الحالات، يمكن للسلطة العامة أن تمنع تسليم جثمان المحكوم عليه إلى أهله، وأن تتولى عملية الدفن.
ويقرّ القانون الجنائي بتعليق على باب السجن أو بباب بلدية مكان التنفيذ إذا وقع ذلك خارج المؤسسة السجنية، محضر يحرر إجبارا وفورا من طرف كاتب الضبط بشأن التنفيذ، ويوقع المحضر رئيس الغرفة الجنائية أو من ينوب عنه، وأيضا بحضور ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط. ولا تتجاوز مدة تعليق المحضر المحرر حول التنفيذ أربعا وعشرين ساعة. كما يمنع القانون نشر أي وثيقة أو أي بيانات تتعلق بتنفيذ حكم الإعدام.
وعموما إن التشريع الجنائي المغربي ما يزال محتفظا بعقوبة الإعدام، وينهج قضائيا سياسة التقليص والحد من الحكم بها وتنفيذها، كما أن العفو الملكي يلعب دورا هاما في إعادة التوازن للسياسة العقابية، بشكل يمكن أن يستنتج معه أن التطور يسير نحو الإلغاء الواقعي لهذه العقوبة، بالحد التدريجي منها، وتجديد العقوبة الصادرة بها بعدما احتد سؤال الإلغاء التشريعي لهذه العقوبة، في ظل الظرفية الدولية الحالية، على خلفية تنامي جرائم الإرهاب، وارتفاع وثيرة الجريمة المنظمة.
إحصائيات
هناك الآن ما يناهز 117 محكوم بالإعدام ضمنهم 3 نساء نزيلات بسجون الصويرة ووجدة والناظور. 80 بالمائة منها تتعلق بجرائم القتل العمد، والباقي صدر في نطاق ما يُسمى بقانون الإرهاب. وأعلبهم يوجدون بالسجن المركزي بالقنيطرة. في حين يناهز عدد السجناء المحكومين بالمؤبد 700 منهم 32 إمرأة.
وخلال سنة 2012 تم النطق بــ 10 حكم بالإعدام، علما أن معدل إصدار حكم بهذه العقوبة لم يكن يتجاوز الحكمين أو الــ 3 في السنة منذ 1994.
وتفيد المعطيات المتوفرة أن عدد المحكوم عليهم بالإعدام في المغرب بلغ ما بين سنة 1973 وإلى نهاية سنة 2007 ما مجموعه 133 حالة، ولم يشمل التنفيذ إلا حالتين كان آخرها سنة 1993، وتشير إحصائيات وزارة العدل إلى أن مجموع عدد الحالات التي حكم فيها بالإعدام انتقل من 146 حالة سنة 2004 إلى 125 حالة في دجنبر 2007.
عرف المغرب منذ الاستقلال 41 عملية تنفيذ عقوبة الإعدام، منها 3 همّت مجرمي الحق العام مدنيين، وهم:
- الكومسير ثابت سنة 1993
- المجرمان الخطيران متوكل وبوشعيب وحشا الدار البيضاء سنة 1982 .
وهناك 49 جريمة منصوص عليها في القانون الجنائي و16 جريمة في مدونة القضاء العسكري تستوجب عقوبة الإعدام بالمغرب، والنقاش مازال جاريا لتقليصها إلى 10 فقط عوض 65 فعل جرمي.
إن مناهضي هذه العقوبة والمنادين بإلغائها يعتمدون أكثر من خطة، زمنها المطالبة بتوقيع المغرب على بروتوكول روما القاضي بإحداث محكمة العدل الدولية التي ألغت من قاموس عقوباتها عقوبة الإعدام حتى بالنسبة للجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب أو جرائم التصفية العرقية.
ومن المفارقات الغريبة أن البلدان التي ظلت تطبق عقوبة الإعدام – خلافا لما قد يتبادر للذهن- تعرف نسبة أكبر من الجرائم مقارنة مع البلدان التي ألغتها، ولعل أبرز مثال حالة كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين وإيران.
هكذا يتم تنفيذ حكم الإعدام في بلدان أخرى
حسب دراسة سبق لمنظمة العفو الدولية أن أعدتها بخصوص طرق تنفيذ العقوبة القصوى، الإعدام، توجد هناك سبع طرق رئيسية للإعدام في العالم:
1- الرمي بالرصاص: وهي الأكثر استخداماً في فترات الحروب، وتطبَّق على العسكريين خاصة، وهذا الأسلوب يطبق في بعض الدول مثل المغرب والصين وكوريا الشمالية وتايلاند وإندونيسيا وأرمينيا والفيتنام..
2- الشنق: أكثر الوسائل استخداماً في العالم، كما هو الشأن في إيران وكوريا الشمالية وسنغافورة والهند وباكستان وليبيا ومصر وسوريا..
3- الحقنة المميتة: تتم هذه العملية من خلال الحقن بمادة سامة في الوريد تؤدي إلى الموت السريع، وهي تقنية تُستخدَم في الصين والفلبين والولايات المتحدة الأمريكية.
4- الرجم: وهو أسلوب يطبَّق في الدول العاملة بالشريعة الإسلامية، وخاصة في جرائم الزنا والعلاقات الجنسية خارج الإطار الشرعي . وقد جاء في قانون الجنايات في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بخصوص هذه العقوبة، بأنه "على الحجارة ألا تكون كبيرة بحيث يموت المحكوم عليه من الضربة الأولى أو الثانية، ولا صغيرة بحيث لا يصحُّ أن تسمى حجارة".
5- ضرب العنق: وهـو الأكـــثر استخـــداماً في الدول العاملة بالـــشريعة الإسلامية، وخاصة في المملكة العربيــة السعودية وبعض مــــقاطـــعات نيجيريا. وحســـب شهـــادة لــسيَّاف سعـــودي يـــدعى سعــيد بن عبد الله بـن مبروك البيشي قال بهذا الخصوص: "أســتخدم الســـيف في قـــتل المجرمين من الرجال، والأسلحة النارية، وبالـــذات المـــسدس، في قــتل النسـاء المجــرمات.. وهذا في نظـــري حكم ســـديد، من دواعـــيه ستر عـــورة المرأة، باعـــتبار أن القـــتل بحــدِّ السيف يســـتدعي رفع الغــطاء عن الرأس وإظهار الرقــبة وجزءاً من الظهر دون غــطاء".
6- 7 - غرفة الغاز والكرسي الكهربائي: وتطبَّق هاتان الطريقتان في الولايات المتحدة الأمريكية.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)















