( الفصل الختامي من كتاب أبطال بلا مجد . فشل ثورة )
" يموت الجبناء قبل موتهم الأخير ،
أما الشجعان فيبقون أحياء حتى بعد موتهم "
شكسبير
لا ننجو من العقاب عندما نحرك الماضي. لا سيما عندما يقضي هذا الماضي على
بعض الأساطير ويفسح المجال أمام أبطال لم يكن أحد يعرف وجودهم . استقبل
البعض هذا البحث الذي وصل الى نهايته بتردد وشك. واستقبله البعض الآخر
بحماس واهتمام. ما هي الخاتمة التي يمكن ان نضعها لهذا البحث؟ الآن، بعد ان
تغيرت المناهج والقناعات، يصعب ربط حبل المنطق من جديد. ان تتبع الذهن
لمسار الفرص الضائعة تمرين صعب شاق. كم هي الطموحات التي ضاعت وسط أفاق
غامضة ؟ كم هي الخصال البشرية التي تم إفسادها ؟ ماذا تبقى من الموتى. ومن
الأحياء. ومن الموتى-الأحياء؟ هل هناك من مغزى يجب الاحتفاظ به كدرس يعلمه
ذلك القدر المتناقض لهؤلاء الرجال الذين قرروا ، رغم ذلك ، توحيد مصيرهم ؟
إلا إن كان الجواب يكمن بالضبط في الصمت العنيد الذي طالما غطى هذا التاريخ
المأساوي ؟
وسط شساعة الجبل الواسعة، كان محمود يعيد ويتدرب على موته. وهو النهاية
الحتمية لملحمة مأساوية . كان حافزه هو طموحه الذي كان يجهل المجد الشخصي.
إنه عمل يدعو الى كفاح يستمر حتى انمحاء الذات نفسها.
ولكن التاريخ يتقن نسج الأقدار التي لا تكتمل والطموحات الخفية . انضاف
محمود الى لائحة طويلة من شهداء الحرية. يموت في سن الخامسة والثلاثين.
اصبح أحد الرجال الذين يضع اختفاؤهم خاتما على مصير أوسع من مصيره هو وحده
.
هو من الرجال القلائل الشجعان، من ذوي القناعات الذين يحلمون بانعتاق رعايا
يخدمون، او فرض عليهم أن يخدموا، ديكتاتورية مقدسة. إن القبول الذي اعتاد
الانحناء والطاعة قد أبان عن حدوده . إذ إنه بعد ان أعياه هذا الكم الهائل
من الاستعباد، عمل على إرساء مغرب حر حيث يمكن للفرد أن يصبح مواطنا. فضل
محمود إذن خيار السلاح للقضاء على سيادة الرعب الذي يدين له حكم الملكية
المغربية المطلق بعمره المديد، والذي كان محمد أوفقير واحمد الدليمي وادريس
البصري رجاله الذين يثيرون الرعب، والناجعين الفعالين في الآن نفسه .
اختار محمود هذا الاختيار بصدق وإخلاص.
لا شك أن محمود من خلال قراءاته العديدة، اكتسب القناعة بان الحضارات تمر
وان الأحلام الطوباوية تفشل. كان يعرف أن كل نصر هو نصر عابرٌ ، وان الزمن
يستبدل الإيديولوجيات الواحدة بالأخرى . ولكن لا تهم التقسيمات والتمييزات
داخل المجتمع عندما ينحني شعب بكامله، أُبقي عليه يائسا جاهلا خاضعا خانعا
أمام سلطة مطلقة تدوس عليه وهي تتبجح؟ انه أمر جميل بالنسبة للمؤرخين.
وحدها ثورة يمكنها أن تختصر الطريق تجاه مجتمع أكثر عدلا و أوفر كرامة .
أن يكون المرء ثوريا، يعني أنه انتصر على شكوكه ليختصر عدة عقود من
الإهانة والخنوع في التوسل كيما ُيتصدق عليه بحرية . وهكذا قرر محمود أن
يدفع بآخر الشجعان الى عمل يمكنه أن يحقق كل شيء أو لا شيء.
قدر أمة
والمفارقة هي أن عمله كان بداية مسار تطبيع سياسي طويل ومكلف. هل
سمع القصر ناقوس المعركة الاخيرة يدق ؟ كل الأمور توحي بذلك. ذلك انه وفي
هذه المرة ، لم يأت ناقوس الإنذار بالخطر من "جنود يبحثون عن مصائر وطنية"
بل من أعماق الشعب. ويحتفظ التاريخ بعد مرور بضع سنوات بكون صفحة" سنوات
الحديد والنار" قد ُطويت. وفضل القصر عندها الفساد على القمع.
بدأ تعلم الديمقراطية الذي يدينه التوريط. عوضت الانتهازية الخوف. فأخذت
أطر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تتغنى جماعة بالحب القديم ، الذي عاد
ثانية ، الحب بين القصر والمعارضة . لقد اصبح الزمن زمن التنكرات
والصمت وغيرهما من الانحطاطات. انها معزوفة من مديح يتجاوب تجاوبا غريبا
مع ترتيب فرنسي يستملح على وجه الخصوص عبارات المجاملة والجمل القصيرة التي
تتظاهر بالتفكير العميق والتي كان ينطق بها ملك يثقن توزيع أمارات رضاه
توزيعا أنيقا. فكانوا يحيون فيه صانع مغرب ُتشتمُّ فيه رائحة الاستعمار .
وحفاظا على المظاهر لم يمنع القصر نفسه من أن ينسب الى نفسه الكفاح من أجل
تحرير فلسطين . ففي اللحظة التي كان فيها رجال محمود، رفاق الفدائيين
الفلسطينيين في السلاح ُيعدمون رميا بالرصاص، كانت مفرزة من القوات
المسلحة الملكية تشد الرحال الى الجولان تحت قيادة اللواء ( الجنرال)
الصفريوي .
بيد أنه وراء الشعارات، كان الواقع عنيدا. ذلك أن موعد اللقاء بين المغرب وتاريخه ، وهو اللقاء الذي لم يحدث ، دشن مآسي المستقبل.
في يوم 10 ماي في سنة 1973 ، وبعد أن استخلص مصطفى الوالي الدروس من الفشل، أخذ مصيره بيده وأسس البوليزاريو.
وفي يوم 18 دجنبر من سنة 1975 ، سقط عمر بنجلون برصاص فريق مسلح وقع بالدم
صعود مذهب جديد: الاسلاموية. إن فشل ثورة آخر فرصة هذه قد زج بالبلد في
صراع مع خروج غير كامل من الاستعمار ومع إفلاس اجتماعي سوف يغذيان على
التوالي حربا دامت ثلاثين سنة واسلاموية زاحفة . سوف يمضي المغرب عقودا
وعقودا من اجل اختتام فشل الاختيار الثوري .
قدر قائد
لم يغير الحداد والألم اللذان يتخللان مسيرة الفقيه البصري من
مسيرته شيئا. فرغم عودة الحظوة والعناية للفقيه البصري، فانه سوف يحلم حتى
النهاية بالمساء الموعود الذي سوف يبتلع نظاما غاص في الغلط ليجعل عذا
جديدا يحل. ان همه سوف يبقى دائما الثار المستحيل. تكسو مساره سلسلة من
الاعمال الفاشلة، التي كانت عديدة وفيرة، مما جعل البعض، ممن انتابهم الشك
يقولون بأن هذا الفشل لم يكن محض صدفة.
وفي خريف حياة الفقيه البصري ، تاب الرجل واخذ يطالب بالشرعية التاريخية
مادام لم يستطع أن يوجه مستقبل هذا التاريخ. إن حرس الذاكرة قد بدؤوا وضع
راياتهم الخاصة بملامح الغد؟ وقد جاء هذا في حينه. إذ ان الفقيه البصري
لا يرفض هذه الصفحات البطولية التي تطعم رواية حياة حتى تأخذ طابعا أكثر
مأساوية .
عندما عاد إلى بلده ، كانت له حظوة وسائل الإعلام ، وتحدث بإطناب بعبارات
مغلفة أنيقة عن دوام الروابط المتينة التي تربط العرش بالشعب المغربي. وهو
الخطاب الذي يرتهن ارتهانا بظروف اللحظة. وها هو ذا الرجل قد بات يتجنب
مواجهة ماضيه [
7]
. وهو ان تحدث عن هذا الماضي ، إنما يفعل ذلك من اجل تغيير طبيعة هذا
الماضي أو تلميع ساعات المجد السالفة. ففي حوار طويل نشر في شهر يناير من
سنة 1999 [
8]
، وضع مميزاته وخصائصه على أنه رمز تاريخي. ولكن رجل دسائس الكواليس
والعمل السري لم يكن مرتاحا في هذا التصنيف. ولأن الزمن قد فعل فعله، فانه
حاول دون توفق أن يشرح بأن عمليات مارس 1973 جرت دون علمه. وهكذا فإن دخول
محمود ورجاله، وكذا انطلاق العمليات، كلها أمور حدثت دون علمه. زد على ذلك
انه لم ينتظر الأوقات الضائعة التي وفرها له تقاعده وعزلته ليتحدث عن
التاريخ كما يطيب له . وهاهو سنة 1974 ، في رسالة [
9]
بعثها الى عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي، والتي حررها في رد فعل
على سياسة التسويف الظرفية التي فرضت في الجزائر العاصمة، وهو الأمر الذي
كان يعطي انطباعا عما كان سيحدث في مؤتمر الحزب في سنة 1975 ، حيث تم رفض
الاختيار الثوري . في هذه الرسالة يتحدى الفقيه البصري الذين عزموا على
دفنه بسرعة.
وبخصوص ما وقع في شهر مارس 1973 ، كتب الفقيه البصري :" بين الفترتين دعيت
الى ليبيا، بعد استئناف العلاقات بين البلدين، في مقابل إغلاق الإذاعة
الموجهة الى الشعب المغربي . كان الرفيق ايت قدور يرافقني في هذه الرحلة
وتزامنا مع هذا الحدث ، كان الشهيد محمد بنونة قد دعا الى اجتماع في باريس
من اجل البث في عدة مشاكل لها علاقة بالتنظيم العسكري. ولكني، فيما يخصني
انا شخصيا، كان علي أن أتغيب عن هذا الاجتماع نظرا للمشاكل التي كانت تتخبط
فيها ليبيا . فيما يخص هذه النقطة بالذات، يمكن للرفيقين ايت قدور وبنحيي
ان يدليا بمضمون الاجتماع سابق الذكر وبالتدابير التي اتخذت.عند عودة ايت
قدور، اخبرني بعد ان وقع ما وقع ،بان محمد بنونة ومجموعة من المناضلين قد
عادوا الى المغرب . وقد عاش الرفاق الاخصاصي ومحمد ايت قدور ومحمد بنيحيى
هذه الأحداث " . ثم يختم :" إن العمل المسلح باسم الجبهة، قد اقترح ودخل
حيز التنفيذ انطلاقا من باريس وخطة 3 مارس حررها محمد بنيحيى".
من غير المجدي أن ندفع بالتفسير ابعد من هذا لنرى بأن الأمر هنا يهم
تمرينا لمراجعة الأحداث . وبادئ ذي بدء ، لم تتوقف برامج راديو ليبيا الا
في صيف سنة 1973 ، أي بعد موت محمود وليس إبان حياته. إنها إحدى التنازلات
التي انتزعها عبد الرحمن اليوسفي من الفقيه البصري خلال الاجتماع-الحصيلة
الذي انعقد في الجزائر العاصمة. وبعد ذلك، لك يكن لاجتماع باريس هدف عسكري
وإنما كان له هدف تنظيمي واستراتيجي وليس هدفا عسكريا. ويكفي حضور مشاركين
لا يتقاسمون أي صلاحية عسكرية داخل التنظيم للتدليل على ذلك. أما " العمل
المسلح" ، فانه لم يتم تصوره في باريس ، في غياب الفقيه البصري ، ولكن في
ليبيا، وبحضوره. وأخيرا، كيف يمكن أن نتصور أن الفقيه البصري علم " بعد أن
وقع ما وقع" برجوع محمود ورجاله في حين أن هذا الرجوع تم بمساعدة الميد،
وهو ساعد الفقيه البصري الأيمن في تلك الفترة . عندما نعرف ما كان يحس به
محمود تجاه الميد، يمكن أن نخمن بسهولة انه كان سيزيحه ان هو تصرف بمبادرة
خاصة منه . وأما الباقي فليس سوى أمور ُرتبت " في ما بعد" وأُسست على حقائق
مغلوطة يتم به استنكار عمل أُعتبر عملا غير مسؤول.
ُذهل أولئك الذين كانوا يعتقدون انهم كانوا يقاتلون من أجل مبادئ:
كيف سمح الفقيه البصري أن ينكر دوره ومسؤوليته في حين أن أكثرنا ما زال حيا [
10] ؟
منذ ذلك الحين، واللغز ما يزال قائما ، وكان حامل اسمه العائلي السيئ
الذكر ، وزير الداخلية السابق ادريس البصري ، يريد أن يجعل الظنون مادية
محسوسة، فدخل سنة 1984 في مفاوضات انتهت بعد بضع سنوات بعودة المعارض
الدائم . انه اتصال يواصل ما قام به وسيط مناسب: البشير الفكيكي، الروح
المنبوذة في مؤامرة 1973 والذي اصبح بعد ذلك برلمانيا.
قدر حزب
بالنسبة الى العديدين، فان تبنؤ دهكون قد تحقق . فعبد الرحمن
اليوسفي، عكس الفقيه البصري، تأقلم مع شر آخذ في الزوال. مقتنعا بأنه في
آخر المطاف سوف يكون النصر له. وهكذا وفي فبراير 1998، قبِل دعوة الحسن
الثاني بان يشكل حكومة. ولكن، وكما هو شأن الفقيه البصري، سوف يخصص مجمل
طاقاته لإنقاذ المظاهر. التحق بديوانه اليازغي وعجول وايت قدور وبنبحيى.
ومع ذلك، فان أول التحولات السياسية وقع قبل ذلك. وهكذا فان المهدي العلوي
قد جوزي بمنصب سفير، والاخصاصي اصبح برلمانيا، وماسين عاملا على اخنيفرة
وهي المدينة التي وضع فيها قنابل سنة 1973.
منذ إعادة تشكيل الحزب سنة 1975 ، كان له الوقت الكافي ليتحول ويتغير.
فربح من احترام القصر بقدر ما خسر من مصداقيته عند الجماهير . غير اسم
الحزب فاصبح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتحق وسط الفرحة العارمة
إبان المسيرة الخضراء بالمعارضة الدستورية . وفيما يخص ممارسة السلطة ،
فانه لم يعد ينافس الملكية ، ولكن اصبح ينافس الأحزاب الأخرى. لقد بات
جزءا لا يتجزأ مما كان المهدي بنبركة يسميه " معارضة صاحب الجلالة" .
واصبح يحاور اليوم أحزابا كان بالأمس يعتبرها أحزابا في خدمة القصر. إن
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قد غير شكل عمله. ومن ثمة فانه ضحى
برباطه النضالي مقابل تصور باهت للخلافات السياسية . لقد فشل الاتحاد
الاشتراكي في استئصال الشر من جذوره وهاهو الآن يحاول أن يعالج أثر هذا
الشر . وهكذا فان الحزب تاه وسط تردداته ، فالتحق بتوافق سياسي هش. والحزب
عندما تسلم القضايا والشؤون سنة 1998، لم يعد يملك شيئا من تلك المنظمة
الجماهيرية التي كانت تؤطرها نخبة البلد الفكرية ، والتي كانت بالأمس مصدر
فخره واعتزازه. لقد بات حزبا للأعيان مرغما على أن يتعامل مع أوليغارشية
المخزن السياسية – الاقتصادية.
باي هدف؟ في المواجهة المتشنجة بالأمس ، حيث كان الدفاع عن الحريات يختلط
بالدفاع من أجل بقاء الفرد حيا ، كان الرهان لا يقبل أي إبهام أو غموض .
والآن بعد أن اصبح المهم هو إعطاء مضمون لحرية يزعم بأنها ممكنة، تعطلت
الآلة. إن الحزب الذي كان يعشق الحرية بلا قيد او شرط ، وذلك لأنه يرفض
الحكم المطلق اكثر مما كانت له ثقافة ديمقراطية حقيقية ، ان هذا الحزب ،
ولأنه لم يعرف كيف يرفع تحديات التغيير فانه قد ضاع وسط خطابات عصبوية
بالية .
هذا في الوقت نفسه الذي تعرف فيه الاقطاعية تراجع الانتقادات تجاهها، بدافع
من ملك جديد شاب ومرحب ، سوف يقود حملة عبات لها بقوة وسائل العلام، ومن
ثمة حملة تجميع وائتلاف، ضد الشرور والآلام التي كان الاتحاد الاشتراكي
للقوات الشعبية قد تطوع من قبل لمحاربتها: البؤس المستوطن والأمية والتخلف
وحرية التعبير وحقوق الإنسان وغيرها. والحال انه، واكثر من أي وقت مضى ، ما
زال احتكار المخزن وهيمنته، وهو الذي أبقى البلاد في الفقر الاقتصادي
والبلاهة السياسية بتبذيره للموارد تبذيرا، ما زال عائقا أمام الحداثة التي
قد تعطي للمغرب مكانته في الألفية الثالثة.
يبقى الإرث الثوري الثقيل المزعج. لقد تغير الزمن وفقدت القضية من طراوتها
ومن جدتها، لصالح "آفاق ديمقراطية" أكيد أنها لا تحسم الأمور الا قليلا،
ولكنها تورط اقل. وفيما يخص جيل الأطر الجديدة الذي ينعم بحياة لم تعرف
تقلبات سنوات الحديد والنار ، فان الثورة أخذت مظهر إحياء ذكريات حنين
متقادمة. توحي لهم ثقة مستقيمة الرأي بواقعية قوية سرعان ما تربط الكفاح
من اجل الحرية بصبيانية سياسية. ان تفكيرهم متعب ، فهم ينظرون الى الناجين،
الشاهدين على التمزق ،في احسن الأحوال، نظرة تعاطف يمتزج بالتسامح، وفي
أسوأ الحالات، نظرة اللامبالاة.
ان الفكرة نفسها القائلة بان رجالا كافحوا في المغرب من اجل بديل للملكية
لا يمكن التفكير فيها ولو تفكيرا سطحيا لا قناعة فيه. ومن ثمة، فان الحزب
تبنى أطروحة تيار ثوري تحرك في استقلالية عن الحزب الذي يبقى متشبتا بدوام
الملكية. لقد سمحت التواءات الزمن بهذا النوع من التكيف الذي لا يكلف
كثيرا. بيد انه سنة 1973 ، كان هذا الطرح يملك من القوة ما كانت تملكه
خرافة الملك الطيب الواقع ضحية حاشية سيئة النية. في ذلك العهد، كان الفرق
البسيط ضربا من التكتيك، وأما الهدف فكان لا يقبل أي مجادلة. كان يجب
القضاء على الملكية لتنظيف المغرب من إدارة متقادمة يتحكم فيها إقطاعيون
يساندون الاستعمار الجديد.
تسبب فشل سنة 1973 في الفصل بين تيارين يتميزان بحسب قراءتهما للإحداث
"التيار المغامر" بالنسبة الى البعض ، الذي كان يسارع الى ان يتميز عن فشل
ثقيل مزعج ومورط، و" عمل ينذر ويحذر" من توجه نحو الراديكالية مستقبلا،
بالنسبة الى البعض الآخر. زادت هذه الازدواجية من تغذية انفصال سياسي سوف
يحسن القصر استغلاله وذلك بالتحكم في معارضة أصابها مرض النسيان الذي كان
يشكل مع ذلك النجاة . توجد في هذا التوافق السياسي الذي باركه النسيان
مفارقة مذهلة. لما أزاح الحزب الماضي باسم توافق سياسي، من المفروض ان يضع
قواعد تناوب نحو الديمقراطية، الم يعد الحزب مهددا بان يدفن تراثا من
الكفاح يمكنه ان يعطي لهذه التجربة مداها التاريخي الواقعي ؟ الا إن كان
الحزب، ودون أن يتجرا على أن يعترف بالأمر لنفسه هو ، قد اختار" التناوب
الممنوح" بهدف واحد وهو ضمان بقاء المخزن بعد اختفاء الحسن الثاني، ما دام
لم يستطع تقديم بديل قابل للحياة والاستمرار؟ إن بتر الذاكرة يبقى عندها
الوسيلة الوحيدة لإخفاء الفشل.
قدر جيل
إن موت رفاق توفيق ومن بينهم إعدام اقرب رفاقه دهكون وادريس الملياني سوف
يسكن طويلا ذهن الرجل. لن هذا الاختفاء يحمل حداد نجاته هو نفسه. إن إحساسا
محتدا هائجا سوف ينتصر على قدرته على المقاومة المعنوية، فخلال لقاء قصير
في مقهى بالدار البيضاء، كان توفيق ذا حماس محزن مؤثر، وعينين مبللتين
حزينتين، كان توفيق يرمز الى صورة جيل كامل من المناضلين. ان الملحمة
المأساوية ، ملحمة فشل الاختيار الثوري ، قد أورثتهم حاضرا شوهه الماضي.
واما المصير الذي يعرف كيف يتعامل بدون رحمة مع المغمورين في التاريخ ،
فانه لم يرحم كذلك مستقبلهم. بعد أن عفي عن احمد بنجلون استقبله عند خروجه
من السجن يوم الجمعة 12 دجنبر 1975 أخوه عمر، كان اللقاء قصيرا فبعد ستة
أيام ، أي يوم 18 دجنبر مات عمر بنجلون مقتولا أمام باب بيته. ورغم أن احمد
بنجلون نجا فانه ظل مصدوما، وعكس الآخرين فانه لا يجد في فشل الحلم الثوري
أي تبرير للهدنة السياسية، ولانه لم يقبل بنصف انتصار فانه عاد الى السجن
سنة 1980 و1981 و1983 لـ" يتعامل معه " نفس جلاديه.
وفي نهاية الثمانينات غادر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأسس حزب
الطليعة الديمقراطي الاشتراكي. والتحق به صديقاه في دمشق اليزيد وخالد. بعد
أن غادر هذا الاخير تدريجيا التشكيلات السياسية بسبب الغيظ أكثر مما كان
بسبب الخلافات السياسية، احتفظ بموقف متحفظ مترددا فيما يخص الهوية
السياسية لكفاحه. في باريس سنة 1995 عشية رجوعه الى المغرب، بعد أزيد من
ثلاثين سنة من المنفى، كان ما يزال يقدم نفسه على انه مقاوم .
سكن الإصرار نفسه الكوار الذي اصبح ، بعد أن خرج من السجن سنة 1975، عضوا
في المكتب السياسي لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي. بالأمس كما هو شأن
اليوم ، مازال ُيظهر عزمَ ذلك الذي يتبع الطريق الذي تحدده له قناعته .
بالنسبة الى البعض كانت العودة الى الأمور الواقعية بطيئة وأليمة. انسحبوا
من ميدان السياسة بعد تفكير منعزل . تسلل إليه الوعي بأنهم كانوا مثاليين
عازمين على الرقي بالشعب المغربي الى مصير لربما لم يكن هو قدره. ان تجربة
الفشل أليمة قد جعلت ذاكرتهم ذاكرة انتقائية ، فاخذوا يجترون تاريخا لم
يهضموه جيدا . أصبحت حياتهم مسرحا للظلال تنعكس فوقه أشباح الماضي. وغدت
الأحقاد المكدسة ميراثهم المشترك، ان تحدثوا فإنما يتحدثون وكلهم شك،
يستعملون كلمات مراوغة فيها غيظ صامت أثقلته المرارة . ان ما يستهجنونه
هو موضوع فضولي ذاته أكثر مما يستهجنون أسئلتي، وكأن هذا الموضوع خيانة دون
ان يستطيعوا تفسير أي خيانة هي . وعلى وجه العموم لا يقدم الحديث والحوار
شيئا، ما دام المحاور عازما على ألا يكون الأمر سوى تبادل عادي لعبارات
المجاملة.
ولكن الأسباب نفسها تؤدي أحيانا الى نتائج مختلفة . فبالنسبة إلى ايت قدور
كذلك، فان التاريخ لم يتحسن مع مرور السنوات. لقد تكون عنده غيظ دائم ،
فتحول ناسك الثورة الى مناضل بالذاكرة. والمفارقة هي ان تعليقاته السخية
على هذه الملحمة تلزم الصمت في ما يخص المسالة الأساسية : دوره في إدارة
التنظيم في سنة 1973. فكانت محاولاتي للحديث عن تفاصيل معينة تصطدم بتظاهره
بأن الأمر يفاجئه. وعلى العكس من ذلك، كانت شهادته مرافعة لا رحمة فيها ضد
الفقيه البصري: اختلاس وخيانة سياسية وولع بالأكاذيب.
وضمن الأقدار التي تحطمت ورميت في غياهب نسيان التاريخ هناك مصير الحسين
المانوزي الذي ضاع في سجون القصر الملكي . فإضافة الى كون الحسين المنوزي
كان إطارا في الكفاح المسلح، فقد كان أهم مذيعي راديو- ليبيا الذي كان
يشعل النار في الملك وفي القصر. وعندما نعرف أن الحسن الثاني كان يمارس
السلطة ممارسة شخصية خاصة، نخمن بسهولة ان الحسين المانوزي كان بالنسبة
اليه ضيفا مرموقا. لما تعرف عليه بدار المقري العديد من المناضلين
المعتقلين سنة 1973، ألصقت صورته على حيطان أزقة الرباط يوم 13 يوليوز 1975
: مطلوب للبحث لأنه هرب يوم 12-13 يوليوز . كان ضمن الهاربين أيضا المقدم
(ليوتنو كولونيل) عبابو، أخ قائد الانقلاب، والمساعد(ادجودان) عقا،
والقبطان الشلاط والمرشح لرتبة ضابط ( اسبيران) مزيرق، وكذا الاخوة
بوريكات الثلاث، وهم وجود معروفة أخرى تواجدت داخل سجون الملك .
ولما القي القبض ثانية على الجنود، اعدموا وأرسل الاخوة بوريكات الى السجن
-المقبرة تازمامارت الذي لن ينفلتوا منه الا في دجنبر 1991 . وأما عن
الحسين المانوزي فليس هناك من خبر. سوف تشير مصادر بوليسية الى وجوده
بالقيادة العليا للدرك الملكي بالرباط من سنة 1975 الى 1981 . وكان إفراغ
سجن تازمامارت نهاية سنة 1991 قد ولد الأمل من جديد عند أقربائه: فقد تحدث
مصادر شبه رسمية عن قرب إطلاق سراحه، ثم لا شيء.
وفي مارس من سنة 1998، وبعد تعيين حكومة عبد الرحمن اليوسفي ، وعدت"مصادر
مرخص لها" بإطلاق سراحه عما قريب، ويوم 15 أكتوبر ظهر اسمه ضمن لائحة
مختفين صرح بأنهم قد توفوا . انه اسم اصبح رقما مجهولا، بدون جثة وبدون
قبر. وكما هو شأن المهدي بنبركة، فان أثاره سوف تختفي مع شيخوخة الذين
عذبوا في عهد الحسن الثاني.
خاتمة
عدة مرات، كان الصحافي الذي يترجم لي كلام سيدي حمو يقف ليهدئ
زوجة مرزوق. جرى الحوار داخل منزل، بعيد عن أنظار المتطفلين، ولكنه دام
أزيد من الساعة الواحدة، فاخذ يجلب الجيران الذين حيرهم أمر وجودنا. كان
الزوار غير المنتظرين، أما يستفسرون عن الإخبار وغما يطلبون خدمة ما،
تضاعف عددهم. وكانت إشاراتهم المستفسرة تعبر في كل مرة فتحة الباب، تزايدت
عصبية زوجة مرزوق، بدأ الصحافي يجد صعوبة في تهدئتها. وإما سيدي حمو فواصل
حكايته غير مكترث بشيء، وأما مرزوق وهو الثوري السابق بكلميمة والذي
يستضيف اجتماعنا هذا في بيته، فانه مدين بحياته لزوجته . فخلال 14 سنة من
السجن الإرادي، استطاعت ان تحافظ على سر كانت حتى بناتها تجهلنه. وتتذكر
إحداهن بكل بساطة أن أمها كانت تغسل الملابس خلال الليل، وان خبزة كانت
تختفي بانتظام من الفرن.
فكانت أمها تشرح له الأمر قائلة :
انها خبزة المتسول.
عندما عاد مرزوق الى سطح الأرض سنة 1987 ، انجب فتاة ثالثة سماها حياة.
بعد روى سيدي حمو تعطشي وفضولي خلال اللقاءات الثلاث الطويلة ، ودعني ورحل
الى الرباط يوم 31 غشت من سنة 1996 ، وقال لي :
في المرة المقبلة زرني في تنغير، انني اسكن منطقة يحبها السياح كثيرا لان بها الكثير من الأشياء التي يجب اكتشافها.
انتبهت الى نبرة الاستهزاء التي تتخلل دعوته، غير انه لم تكن هناك من مرة
مقبلة. فقد توفي سيدي حمو بعد ثلاثة أيام من ذلك اي يوم 3 شتنبر من سنة
1996. كان لا يفارق عصاه وجلبابه، اذ كان يعبر بهما عن إحساس عميق
بالإهمال . عندما علمت بوفاته تذكرت ما كان يقوله عنه سنة 1973 سكان
الأطلس:
انه يوجد في كل مكان ولا يوجد في أي مكان.
بعد انصرام ربع قرن على مرور هؤلاء الثوار من هذه الربوع الأطلسية، وجدتني
اقتفي مسارهم ثانية. كنت اجهل ما الذي سوف اكتشفه، فاستسلمت لمفاجآت مظهر
المنطقة البسيط. كان البؤس والكآبة لا يزالان هما نفسهما بدون شك كما كانا
في السابق. منذ ذلك الحين خرب التصحر واحات النخيل التي كانت تحيط في
السابق بالدواوير . وأصبحت اليوم تلال تنغير، حيث كانت تقفز الغزلان، وهي
الطريدة التي كان يفضلها في الماضي موحا أولحاج، عارية جافة. ولكن هناك مع
ذلك تقدم ملحوظ : أنشات منظمة غير حكومية ألمانية خطا كهربائيا يمتد حتى
املاجو . وهناك عزاء آخر إن صح انه فعلا عزاء ، وهو ان المنطقة أصبحت
القبلة المفضلة لهواة المشي في الصحراء وسباق السيارات.
كيف يمكن للمرء أن يفكر دون أن ينتابه الرعب بان هذه المناطق الخلابة، التي
تبهر السياح، كانت مسرح مأساة سالت فيها دماء ودموع كثيرة؟ ان مرور الزمن
الذي لا ينفتح على الذكرى ، يكشف حقيقة لم تتغير. انه شاهد صامت على
المأساة التي وقعت هاهنا . في بعض الأماكن تظهر آثار القتال على حيطان بعض
المنازل. وتبدو معنوياتالناجينالذين أُلتقي بهم داخل هذه المنازل معنويات
سالمة. فقد عُذبوا وحرموا من حريتهم وانتزعت منهم ممتلكاتهم، ولكنهم يتبنون
أعمالهم الماضية بفخر ويمدحون الشهداء الذين اختفوا مدحا كثيرا.
ومع ذلك فان استقبالهم مهما كان حارا، لا يمكن أن يخفي الحقيقة المرعبة ،
إن مثالهم الأعلى قد ضاع وسط رجة عالم تصنعه واقعية سياسية لها نبرة
الاعتراف بالعجز. إنها أرواح متقززة تنظر نظرة مرعوبة الى أعداء الأمس وهم
يتبادلون أحاديث ملساء منافقة مع أولئك بالذات الذين كانوا يناشدونهم
قديما القيام بالكفاح المسلح . اختلطت عليهم الأمور فلم يعودوا يفهمون شيئا
مما يجري سوى أن هذا الغرام سوف يمدد طويلا عمر التهميش الذي يعيشونه.
ان مسارات الثورة قد تاهت في اللامبالاة، حاملة معها الذكرى الرهيبة
لكفاح يحلم الكثيرون في سرهم أن يعود ثانية في أجواء أرحم. عند الحديث عن
محمود تبتل أعينهم وتختنق أصواتهم، فيبصبح لمأساة بؤسهم المخبأة فجأة وجهُ:
انه وجه إطار سياسي، كان إضافة الى هذا مهندسا ينتظره مستقبل زاهر. مهندس
تقاسم معهم حياتهم لدرجة انه وهب حياته خدمة لتحريرهم. إنهم في حداد شجاع
نبيل. حداد لن يشعروا به أبدا تجاه قائد سياسي آخر.
لتُعطَ الكلمة لذاكرة الماضي ، وسوف ترون أن هذه الذكرى لم تتوقف عن غزو واقع الزمن الحاضر .